دور الشيخ الطوسي قدس سره
في علوم الشريعة الاِسلامية
السيّـد ثامر هاشم العميدي
 
هذا البحث مُستل مما كتبة المؤلف في مجلة  تراثنا الاعداد / 52-53- 54 - 55- 56 - 57.
وقد سلط فيه الضوء حول منهج الشيخ الطوسي في كتبه الحديثية لا سيما التهذيب والاستبصار ، وركز الكاتب حول مباني الشيخ في كيفية الجمع بين الاخبار المتعارضة وهو بحث شيق وماتع في بابه ، نسأل الله تبارك وتعالى أن يكون بذرة طيبة لكتابة المزيد من البحوث في مناهج محدثينا رضوان الله عليهم .
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله ربّ العالمين حمداً كثيراً لا يُحصى بِعَدّ، والصلاة والسلام على أشرف الاَنبياء والمرسلين أبي القاسم محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين قادة أهل الحلّ والعقد، وصحبه الاَخيار المخلصين الموفين بالعهد، ومن اتّبعهم بإحسان إلى الاَبد.
وبعـد:
ليست الغاية من الحديث عن دور العظماء والعباقرة في تاريخ الثقافة الاِسلامية، اكتشاف نبوغهم، أو بيان منزلتهم، أو تثقيف العقول برصيدهم الفكري وعطائهم الثرّ، فحسب.
ولا الهدف من إقامة المؤتمرات والندوات العلمية في ذكراهم موقوفاً على إظهار ما لهم، والتغنّي بآثارهم وأمجادهم وإن كان كلّ ذلك مقصوداً؛ بل الغاية أبعد، والهدف أعمق من ذلك بكثير، وتحقيقهما لا يكون إلاّ عن 
 
(37)
طريق تحويل تلك الاَدوار الزاخرة بالعلم والمعرفة إلى قوّة جديدة وطاقة محرّكـة للحياة، مـع تشخيص مـا في ذلك العطاء القيّـم مـن نقاط انطلاق لـم تبلها سعـة المسافات الزمنية الفاصلة بيننا وبين عصور أُولئك العباقرة العظام.
وليس هناك ذرّة شكّ بأنّ على رأس العباقرة العظام الاِمام أبا عبد الله جعفر بن محمّـد الصادق عليه السلام (ت 148 هـ)، ذلك الاِمام العظيم الفذّ، والعبقري الفرد، عديم النظير في عصره شرفاً وعلماً وأدباً وأخلاقاً وفضلاً ونُبلاً وسموّاً.
فقـد استطاع وبكـلّ جدارة أن يُعيد للاِسلام قوّتـه، ويرسي قواعـد الفكر الصحيح على أُسسه، فاضطلع عليه السلام بمهمّة التغيير الكبرى على أوسع نطاق، خصوصاً وقد شاهد خطورة الموقف الاِسلامي إزاء تلوّث المجتمع بالمفاهيم الدخيلة الوافدة إليه عن طريق الفلسفات الاَجنبية التي تسلّلت رويداً إلى ساحته عبر القنوات الكثيرة التي شقّتها فتوحات العصر الاَُموي (40 ـ 132 هـ) وأوائل العصر العبّاسي (132 ـ 234 هـ)، وما نتج عن ذلك من نشوء التيّارات الفكرية الخطيرة، مع بروز حركة الزندقة بفعل تلك الرواسب الثقافية الدخيلة، فضلاً عن استشراء الفساد الخُلقي في عاصمة الخلافة ـ دمشق ثمّ بغداد ـ على أثر تصدير الانحراف إلى شرائح المجتمع من قصور الخلفاء أنفسهم، ويشهد على ذلك الكثير ممّا وصل إلينا من أدب البلاط في ذينك العصرين.
وقف الاِمام الصادق عليه السلام كالطود الاَشمّ بوجه تلك العواصف الكثيرة التي كادت أن تعصف بالاِسلام، وجاهد جهاداً علمياً عظيماً حتّى استطاع بحكمتـه وعطائـه وإخلاصه لله عزّ شأنـه أن يصبغ الساحة الفكرية والثقافية 
 
(38)
ـ التي تدنّت بها القيم والاَخلاق ـ بمعارف الاِسلام العظيم ومفاهيمه الراقية، وتمكّن من تحويل تلك المفاهيم إلى غذاء روحي يومي، فنقلها من الواقع النظري إلـى حيّز التطبيق الفعلـي ابتداءً بمدرستـه العظيمـة التي كانت تضمّ ما يزيد على أربعة آلاف رجل وكلّهم من تلامذتـه وروّاد مدرسته عليه السلام ، فكانوا مشاعل نور أضاءت لكلّ ذي عينين من أفراد الاَُمّة ما أظلم عليه.
ونتيجة لهذا الجهاد العلمي المتواصل فقد اكتسب الواقع الثقافي الاِسلامي بفضل مدرسته المباركة مناعة قويّة ضدّ وباء الانحراف.
لقد استمرّت مدرسة الاِمام الصادق عليه السلام في أداء رسالتها، يغذّيها الاَئمّة من ولده عليهم السلام من بعده بفيض من علم النبوّة ونور الولاية، ولم يخبُ ضوؤها بتعاقب الزمان وتجدّد الملوان، ويشهد لذلك: أنّك واجد في كلّ عصر قطباً من أقطابها يُشار له بالبنان، وتُشدّ إليه الرحال من كلّ فجٍّ عميق.
وما الشيخ الطوسي رحمه الله إلاّ واحد من أُولئك الاَقطاب الّذين كان دورهم مميّزاً فيها على صعيد العلوم الاِسلامية بأسرها. وهو كما يقول أحد أبرز علماء العصر واصفاً جانباً من دوره العظيم:
«إنّ الشيخ الطوسي لم يكن وجوده ودوره على الخطّ العلمي تعبيراً عن مجرّد إضافة عدديّة إلى العلماء الّذين سبقوه، وإنّما كان منطلق رحلة جديدة من تطوّر الفكر الفقهي والاَُصولي في الاِطار الشيعي. وبالرغم من أنّ طاقات علمية تدريجية ـ مهّدت لهذا المنطلق ـ اندمجت فيه من قبيل العطاءات العلمية التي تعاقبت من ابن أبي عقيل، وابن الجنيد، والشيخ المفيد، والسيّـد المرتضى قدّس الله أرواحهم؛ فإنّ نبوغ الشيخ الطوسي هو الذي استطاع أن يصبّ كلّ تلك الطاقات في بناء علمي واحد، ويضيف إليها من عطائه وإبداعه ما هيّأ للعلم أسباب الانتقال إلى مرحلة جديدة من 
 
(39)
مراحل النمو والتطوّر»(1).
ومن هنا يُعلم أنّ الاِحاطة التامّة بدور الشيخ الطوسي رحمه الله في العلوم الاِسلامية غير ممكنة في بحث سريع كهذا، لسعة تلك العلوم أوّلاً، وكثرة جهود الشيخ الطوسي رحمه الله المبذولة حولها ثانياً.
وكلّنا نعلم أنّ الشيخ رضي الله عنه كان إماماً من أئمّة المفسّرين لكتاب الله العزيز، ومعنى هذا أنّ بيان دور الشيخ في هذا الحقل بنحو التفصيل لا يتمّ مـا لم نعلم أنّ القرآن الكريم قد أثار جملة كثيرة من المسائل لم تزل مورد اختلاف المسلمين إلى اليوم، فضلاً عمّا أثاره من جوانب علمية أُخرى انضوت تحت عنوان «علوم القرآن الكريم»، والتي تعدّ من أهمّ الاَدوات اللازم توفّرها لمن يخوض لجج التفسير.
تُرى فما هو دور الشيخ الطوسي رحمه الله في علاج ما بيّنه القرآن من تلك المسائل، خصوصاً وهو قد تعرّض إلى تفسير القرآن الكريم آية بعد أُخرى؟! كما نعلم أيضاً أنّ الشيخ من أساطين المحدّثين، والثابت أنّ العناية بالحديث الشريف وتنقيته ممّا لحق به على أيدي الوضّاعين قد أفرزت جملة واسعة من العلوم المرتبطة به ارتباطاً وثيقاً بحيث يؤدّي إهمالها إلى التخبّط في فهم النصّ على وجهه، إذ الباب موصدة أمام الوصول إلى غاياته ومعرفة مراميه، وتشخيص أهدافه، والوقوف على مقاصده. ولا يمكن أن يكون المحدّث محدّثاً ما لم يلمّ بأطراف تلك العلوم، خصوصاً الشيخ قدس سره ، 
 
 
(1) من رسالة السيّد الخوئي قدس سره إلى المؤتمر الاَلفي الذي عقد في مشهد المقدّسة سنة 1385 هـ، بمناسبة الذكرى الاَلفيّة لولادة الشيخ الطوسي قدس سره ، والرسالة مطبوعة في بداية الجزء الثاني من أعمال المؤتمر. 
 
(40)
لاتّباعه منهجاً في الحديث لم يسلكه أحد قبله، هذا فضلاً عمّا في جمع الحديث، وتدوينه، وتبويبه، وإفراد كلّ موضوع بعنوان، وإعطاء كلّ مسألة فقهية أو أخلاقية أو عقائدية حقّها لا يتأتّى لكلّ أحد.
 
 
الكلام عن دور الشيخ الطوسي قدس سره في الحديث الشريف وعلومه يقتضي التذكير بما في تاريخه.
فنقول:
في تاريخ رواية الحديث وتدوينه موقفان متعارضان، وخلاصتهما:
الحظر الرسمي على تدوين الحديث وروايته من قبل السلطة الحاكمة بعد غياب الرسول الكريم صلى الله عليه وآله مباشرة.
ومقاومة هذا الحظر بكل قوة وصلابة من قبل أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم وجملة من الصحابة، والعمل بجد وإخلاص على تقويضه.
وقد كُتب الكثير عن هذين الموقفين، كما ظهرت دراسات علمية قيّمة حول الموضوع اشبعته بحثاً وتمحيصاً، حتّى صار تناوله من جديد مكرراً ومملاً. 
 
(242)
وقبل طيّ صفحاته، نود الاِشارة السريعة إلى خطأ ما قد يُتصوَّر من انتهاء سلبية الموقف الحكومي الشاذّ بعد عهد عمر بن العزيز الاَُموي (ت|101 هـ)، الذي أوعز ـ في فترة سلطته ـ إلى أبي بكر محمّد بن عمرو بن حزم الاَنصاري الخزرجي (ت|120 هـ) بكتابة الحديث خوفاً من اندراسه، لما رأى تعسف آبائه وقادته وأسلافه، وسعيهم الجادّ في محاولة انطماسه؛ وذلك ببقاء سلبيه الموقف الرسمي وتحكّم شذوذه واستمرار أهدافه وأغراضه حتّى بعد رفعه، وبصورة جلية، وشكل علني واضح وصريح.
وغاية ما حصل هو أنْ تحوّل الحظر العام ـ لاَجل نمط معيّن من الاَحاديث، أو لتمرير الاَخطاء الفاحشة في الافتاء على المسلمين من دون رقيب وحافظ للسُنّة، لكي لا يلوّح بها في وجه السلطة ويصحح أخطائها بما عنده من حديث، أو لكليهما معاً ـ الى حظر خاصّ استهدف ذلك النمط من الاَحاديث بعينه.
وهكذا اصبحت النظرية السياسية في الحكم التي جاءت بها السقيفة، وثقّف الحظر عقول الناس بها مؤصلة في الحظر الخاص بتدوين مايخدم أُصولها، ويضفي عليها الشرعية، ويمنحها القدسية، ويرفع من شأن قادتها إلى مستوى الاعتقاد بحجيّة أقوالهم! مع عدم الاكتراث بما عند أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم من مدوّنات حديثية سبقت انفتاحهم على التدوين، إذ لم تشهد قط فترة انقطاع تفصلها عن مصدر ومعين الحديث الثرّ، كلّ ذلك لتشتيت مبدأ النصّ والتعيين، تارة بتطويق أنصاره، وأُخرى بإخراج أخبارهم من فلك التدوين.
بينما كان المنطق والعقل السليم يفرضان على مدوّني تلك الفترة أن 
 
(243)
يزهدوا في ندّ الحديث ويتركوه، ويسعوا إلى الاَمين الحريص على السُنّة المطهّرة فيتبعوه، لكنّهم ـ مع الاَسف ـ قلبوا المعادلة رأساً على عقب! فلم يحفظوا عن أهل بيت نبيهم إلاّ القليل، بينما حفظوا عن غيرهم الشيء الكثير، وكأنّهم أُمروا بذلك فاقتدوا.
لقد دوّنوا لاَبي هريرة وحده (5374) حديثاً، بينما دوّنوا من أحاديث أمير المؤمنين عليه السلام (536) حديثاً فقط، ثم ضعّفوا منها(486) حديثاً، واعترفوا بصحّة خمسين حديثاً، وعلى هذا يكون ما سمعه الوصي من النبيّ صلى الله عليهما في ثلاث وعشرين سنة أقل من عُشر ما سـمعه أبو هريرة في ثلاث سنين! وأين (شيخ المضيرة) من علي؟
ودوّنوا لصاحبة الجمل الاَدبِّ (2210) أحاديث، بينما دوّنوا لبضعة النبيّ ومهجته صلى الله عليه وآله فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين، ولسبطي الرحمة وإمامي الهدى الحسن والحسين عليهما السلام (39) حديثاً فقط!! منها(18) حديثاً للزهراء عليها السلام ـ اعترفوا بصحّة تسعها وضعّفوا الباقي ـ و (13) حديثاً للاِمام الحسن عليه السلام ، و (8) أحاديث للامام الحسين عليه السلام (1).
وليتهم ساووا في التدوين بينهم وبين عدوهم، ففي المعجم الكبير للطبراني أحصيتُ لمعاوية بن أبي سفيان (253) حديثاً مع المكرر(2)، هذا مع أن معاوية الباغي من مسلمة الفتح، وفاطمة عليها السلام كانت ـ على حدّ تعبيرهم ـ راشدة مع أبيها صلى الله عليه وآله عشر سنين!! 
 
 
(1) ما ذكرناه من استقراءات تجده في الكثير من تراجمهم بكتب العامّة، وقد جمعها واحد من فضلائهم، وهو الاَُستاذ مروان خليفات الاَردني بعد ركوبه سفينة النجاة.
انظر: كتابه وركبت السفينة الفصل الثاني من الباب الثاني بعنوان: ضياع السُنّة.
(2) انظر: المعجم الكبير ـ للطبراني ـ، الاَحاديث من (679) إلى (932) فكلّها من رواية الباغي. 
 
(244)
وأين الباغي الحقير من أهل الكساء وآية التطهير؟
وهكذا تراهم قد أساءوا أبلغ الاِساءة إلى النبيّ صلى الله عليه وآله من حيث يشـعرون أو لا يشعرون، لاَنّ صنيعهم هذا يعني أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله أرجع أُمته إلى مَن ضيعوا سُنته ولم يحفظوا منها إلاّ القليل الذي لا يغني ولا يُسمن من جوع!!
وبهذا يتأكد لكلّ منصف بأنّ ما يسمّى بعصر الانفتاح عند العامّة بعد عهد عمر بن عبد العزيز عاد انغلاقاً، وصار رفع الحظر على التدوين قيداً جديداً على تدوين الحديث، حتّى انفرط بذلك عِقده، وضاعت عليهم جواهره، بعد هجرهم الاَمين الحريص عليه وترك أخباره، وتكذيب أنصاره، وطمس آثاره. وهذا هو الواقع المرّ الذي مارسه مدوّنوا تلك الفترة ـ وقد أشرنا لليسير الدالّ عليه ـ وكان من نتائج تدوينهم العليل ـ زيادة على ما مرّـ أن تورّمت دواوينهم الحديثية بكلّ غثّ وهزيل، وابتليت بكمّه الهائل أجيال من الاَُمّة، ولا زالت النفوس المريضة والعقول المتحجّرة ـ على ما يقوله أحد قادة الفكر الاَحرار من علماء الحديث عند العامّة ـ ترزح تحت وطأته وهي تحسبه أصحّ من الصحيح مع أنّ فيه من الاَضغاث الباطلة التي ما أنزل الله بها من سلطان ما يحيّر الاَلباب ويدهش العقول(1).
ولعل السبب المعقول وراء بقاء ذلك الموقف الشاذّ حول السُنّة الشريفة على الرغم من سلبيته وأخطاره، هو اختلاف المسلمين في تفسير أحداث السقيفة، لاَنّهم بين مناصر لها ومخطط لنتائجها وهم من ظهر الحظر على 
 
 
(1) وهذا الكلام هو ماصرح به الاَُستاذ محمود أبو ريّة المصري في جميع كتبه ومقالاته لا سيّما كتابه الشهير عن أبي هريرة المعروف بـ: شيخ المضيرة، فراجع. 
 
(245)
أيديهم أوّل مرّة، وبين من فاجأته بأحداثها السريعة الخاطفة، فسخر منها ونفى شرعيتها، وهو من قاوم الحظر وقاد التدوين المباشر للحديث ودعا إليه. ولا شكّ أنّ أنصار الاَوّل وأتباعه من الرواة والمدوّنين في كلّ عصر وجيل إزاء ما دوّنه الثاني من الحديث على قسمين:
أمّا القسم الاَول: فهم من دعاة التعصّب والطائفية، وعلامتهم أنَّهم لا ينظرون إلاّ إلى أخبارهم، ولا يطيقون النظر الى غيرها، بل يطرحونها البتة من غير نقد ولا فحص ولا دراسة.
وأمّا القسم الثاني: فهم ينظرون إلى أخبار مخالفيهم، ويتأمّلون فيها، وهم على أصناف أربعة.
الصنف الاَوّل: وهم ممّن جهل الحقيقة، ومنعه اعتقاده الموروث عن اعتقاد صحّة أخبار من خالفه في اعتقاده، وربما وقف موقف الشاكّ من صحّة أخبار مخالفه التي لم تتقاطع أصلاً مع بعض مبتنياته، نتيجة للتضبيب حول تلك الاَخبار.
الصنف الثاني: وهم من يرون صحّة الصحيح عند مخالفهم، ولكنّهم مع هذا يجهرون بخلافه، ويختلفون عن دعاة القسم الاَوّل بكونهم مذعنين للصحيح عند المخالف في باطنهم، مكابرين في ظاهرهم، طلباً لحطام زائل، وتوصلاً إلى مقصد عاجل.
الصنف الثالث: وهم من عرف الحقيقة عند غيره، ولم يجادل فيها، أو يظهر خلافها، ولكنّه ـ مع ذلك ـ لم يجهر بها خوفاً وهلعاً، فتراه قد ستر أمره، ولم يُبد صفحته لقومه.
ولا يخـفى أنّ هـذه الاَصـناف الثلاثـة سـواء كـانوا رواة أو مدونين، 
 
(246)
لا يُتَوقع منهم رواية الحديث الاِمامي، أو تدوينه؛ لما مرّ من أحوالهم.
الصنف الرابع: وهم الذين لم يكبّلوا أنفسهم بمذهب في الرواية، أو التدوين، فهم زيادة على ما يروون في تأييد آرائهم في اعتقادهم وأحكامهم، يروون أيضاً ما خالفها وناقضها اذا ما اطمأنوا إليه، وكذلك حال المدوّنين منهم، (وقليل ما هم)(1).
وهذا الصنف الاَخير يُعدّ السبب المباشر في وجود بعض الاَخبار المؤيّدة للشيعة الاِمامية في عقائدهم وأحكامهم في مصنّفات الحديث العامّية، نظير الاَخبار من المصرّحة بخلافة أمير المؤمنين عليه السلام ، وأنّه أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنّ أهل البيت عليهم السلام ، هم الاَئمّة المنصوص عليهم، ونحو ذلك من الاَخبار التي لم تلق في فضاء الاَصناف المتقدّمة غير الآذان الصُمّ.
وهذا الصنف ينبغي أن لا يكون موضع تهمة بخصوص ما رواه مخالفاً لعقيدته إذا ما صحّت نسبته إليه، لما مرّ من أنّه منصف في رواية ماله وما عليه. ومع هذه الحقيقة، فإنّك إذا ما رجعت إلى تراجم رواة الصنف الاَخير عند العامّة، تشعر وكأن من ترجم لهم قد أسف على وجود مروياتهم ضمن أخبار العامّة، ولهذا فقد تابعوهم بكلّ تضعيف وتوهين، موحين لك أو مصرّحين بتشيعهم، مع أنّك لا تجد لمعظمهم عيناً ولا أثراً في معاجم رواة الشيعة، وأمّا من وجد منهم فمصرّح بمخالفته في المذهب، ومن هنا وصلت الاَحاديث الصحيحة عن أمير المؤمنين عليه السلام في كتب العامّة إلى 
 
 
(1) سورة ص 38: 24. 
 
(247)
خمسين حديثاً من مجموع ما دوّنوه عنه عليه السلام .
ويبدو أنّ هذا الصنف نفسه لم تمنعه عامّيته مـن استماع أحاديث أهل البيت عليهم السلام وروايتها عنهم مباشرة أو بالواسطة.
ويدلّ عليه وجود مروياتهم عـن أهـل البيت عليهم السلام كما في كتب شيعتهم وهي كثيراً ما تكون سبباً لاختلاف الروايات وتناقضها في مدوّنات الشيعة، وذلك لموضع التقيّة فيها، أو الاِتقاء.
تقيّةً منهم، لخوف الضرر المحتمل من وصول الخبر إلى المخالفين، لكون الراوي منهم، وفيهم من فيهم.
أو اتّقاء عليهم، بمعنى الخوف عليهم من لحوق الضرر بهم لعلم المخالف بقربهم من الاَئمّة الاَطهار عليهم السلام .
ومن هنا كان مرد الكثير من الاَخبار المختلفة في التراث الاِمامي إلى تلك النكتة، على أن هـذا النمط من الاخـتلاف والتعارض لم يترك سدى، وهو ما اضطلع الشيخ الطوسي قدس سره بإزالته وبيان وجهه، وقضى بذلك على مايثيره بعض من عرفت تاريخ الحديث عنده، من شبهة اختلاف وتضاد أحاديث أهل البيت عليهم السلام ؛ حتى أسفرت جهود الشيخ في باب تعارض الخبرين واختلافهما عن دور عظيم في دراية الحديث فضلاً عن روايته وتدوينه.
نعم، واصل الشيخ الطوسي قدس سره السير الحثيث على الطريق الحديثي الواسع الذي شقّه عميد أهل البيت عليهم السلام في جَفْره المشهور، وصحيفتة المعروفة، وكتابه الموسوم بـ: كتاب علي عليه السلام ، وتابعه على ذلك أولاده الاَطهار عليهم السلام ، وكذلك حملة علومهم قبل زمان شيخ الطائفة بنحو أربعة 
 
(248)
قرون(1).
فالشيخ إذن لم يتعامل مع تراث حديثي مفصول عن معينه، أو غضٍ طريٍّ لا تعرف أُصوله ودواوينه، بل مع مدوّنات حديثية بلغت في الكثرة إلى زمان الاِمام العسكري عليه السلام (ت|260 هـ) أكثر من ستة الاف وستمائة كتاب فيما أحصاها الشيخ الحرّ العاملي(2)، وكان من جملتها الاَُصول الاَربعمائة المشهورة ـ عند الشيخ يوم ذاك ـ شهرة كتبه الكثيرة في زماننا، وقد أورد الشيخ نفسه الكثير من اسمائها واسماء مؤلّفيها في كتابه الفهرست.
ولضخامة ذلك التراث، وطول امتداد عصر النصّ عند الاِمامية، وما رافق ذلك الامتداد من ظروف قاسية أوجبت على أهل البيت عليهم السلام الحفاظ على قيم الاِسلام ومبادئه ببقاء مهجهم الشريفة، مع اختلاف رواة الحديث إليهم، وتباين الرواة في عقائدهم وأفكارهم، وتعدد مذاهبهم وفرقهم، وتفاوت ضبطهم ووثاقتهم، ووجود المغرضين والمنافقين والكذابين بينهم؛ لذا كانت مهمّة من سبق الشيخ إلى تصفية ذلك التراث وتنقيته شاقّة وعسيرة،
اضطلع بها جيل من الفقهاء وعلماء الرجال، حتّى وصل الاَمر إلى ثقة الاِسلام الكليني، والشيخ الصدوق من بعده وكلاهما من الفقهاء والمحدّثين وعلماء الرجال، وكذلك نظرائهم من القمّيين كالمحدّث والفقيه الرجاليالشديد فيالتضعيف والتوثيق الشيخ محمّدبنالحسن بن الوليد القمّي. 
 
 
(1) راجـع: بحثنا المنشـور في تـراثنا العددان 47 ـ 48 السنة الثانية عشرة|رجب ـ ذو الحجّة 1417 هـ، بعنوان: «تاريخ الحديث وعلومه»، فقد أوردنا فيه مراحل تدوين الحديث عند الشيعة الاِمامية، ابتداءً من عصر الرسول صلى الله عليه وآله ، وانتهاءً بعصر الشيخ الطوسي قدس سره .
(2) كما في خاتمة وسائل الشيعة 30|165، الفائدة الرابعة من الخاتمة. 
 
(249)
ولقد جاءت محاولات الجميع في غربلة ذلك التراث بنتائج طيبة إذ ابعدوا الحديث الموضوع والمكذوب على أهل البيت عليهم السلام ، واقتصروا على تدوين الحديث الصحيح أو ما رأوه قريباً من الصحّة، يساعدهم على ذلك تضلعهم في علمي الحديث والرجال، مع تراكم الاَعمال الرجالية السابقة ووصولها إليهم، وهو ما عبّر عنه الشيخ الطوسي نفسه، بقوله:
«إنّا وجدنا الطائفة ميّزت الرجال الناقلة لهذه الاَخبار، فوثّقت الثقات منهم، وضـعّفت الضـعفاء، وفـرقوا بين مـن يعتمـد علـى حـديثه وروايته، ومن لا يعتمد على خبره، ومدحوا الممدوح منهم، وذمّوا المذموم، وقالوا: فلان متّهم في حديثه، وفلان كذّاب، وفلان مخلّط، وفلان مخالف في المذهب والاعتقاد، وفلان واقفي، وفلان فَطَحي وغير ذلك من الطعون التي ذكرها، وصنّفوا في ذلك الكتب»(1).
ويظهر من تعامل الشيخ مع الاَخبار في كتابيه العظيمين: التهذيب، والاستبصار، أنّ الجهود السابقة لم تنصب بشكل مباشر إلاّ على فرز الحديث المكذوب عن غيره، وأنّه لم يتحقّق اشتغالهم برفع الاختلاف وحل التناقض بين الاَخبار، ولا إهمال الشاذّ النادر ولكنّهم أفردوه بأبواب خاصّة، تشعر بشذوذه وندرته، كما أنّهم لم يهملوا الضعيف بالاِرسال أو الانقطاع ونحو ذلك في مدوّناتهم، بل أوردوه مع المسند من قبيل الشواهد والمتابعات، وإن كان ظاهر الكافي والفقيه الاحتجاج به عند عدم المعارض مع وجود ما يدلّ على صدقه. نعم، كان جلّ عنايتهم ما ذكرناه مع إهمال ما سواه اللهم إلاّ إذا 
 
 
(1) العدّة في أُصول الفقه ـ للشيخ الطوسي ـ 1|141، من الطبعة المحقّقة. 
 
(250)
استثنينا بعض ممارساتهم العلمية التي برز بها القمّيون خاصّة، كما نجدها أيضاً عند الشيخ الصدوق في علاج بعض الاَخبار المتعارضة وبيان وجهها في كتابه الفقيه(1)، مع أنه مصنَّفٌ لغرض الاقتاء على طبق النصوص، وهذا يعني عدم الحاجة إلى تتبع موارد الاختلاف والتضاد والاكتفاء بما يراه صحيحاً فقط.
ومن هنا اضطلع الشيخ الطوسي بتهذيب ما تركوه، فقفز الحديث على يديه إلى مستوى طموحه في التجديد، وقابليته الفذّة على الابداع في بحوث العلوم الشرعية باسرها، من تفسير وحديث وفقه واصول وغيرها.
أمّا التفسير، فقد مرّ دوره فيه في الحلقة السابقة، وقد اتضح هناك كيف تهيأت للتغير وعلى يديه وسائل النهوض والارتقاء به حتى وصل الى رتبة عالية من النضج والكمال.
وأما الحديث، فالحديث عنه في فصول: 
 
 
(1) وقد بيّنا نماذج كثيرة من الاَخبار المختلفة مع موقف الشيخ الصدوق منها في البحث المنشور فى مجلّة علوم الحديث العدد 2 السنة الاَُولى، بعنوان «مع الصدوق وكتابه الفقية». 
 
(251)
الفصل الاَوّل
لمحات في التراث الحديثي للشيخ الطوسي
في تراث الشيخ الطوسي ـ البالغ أكثر من خمسين مصنّفاً ـ مجموعة كبيرة جداً من الاَحاديث الشريفة، ولو قُدّر لها أن تُجمع في كتاب واحد بعد تصنيفها موضوعياً وتحقيقها علمياً؛ لاَصبحت بأيدينا موسوعة حديثية عظيمة تزيد على الوسائل حجماً، ويدرك من خلالها بيسر وسهولة طاقات الشيخ الطوسي وإسهاماته الجادّة في تغذية سائر العلوم الاِسلامية بالحديث الشريف، زيادة على ما تسديه من خدمة جليلة وبالغة في الدراسات الحديثية.
ومن تتبّعنا لما ذكره من الاَحاديث الشريفة في سائر مصنّفاته المطبوعة، وجدناها كالآتي:
1 ـ الاَحاديث التفسيرية، وهي كثيرة جداً، اتّصفت بروح المقارنة، وربما وصلت بمجموعها عدد أحاديث كتابه التهذيب.
2 ـ الاَحاديث الخاصّة بالعقائد الاِسلامية.
3 ـ الاَحاديث الواردة في دراية الحديث وروايته.
4 ـ الاَحاديث الخاصّة بعلم الرجال، وهي المروية عن أهل البيت عليهم السلام في تشخيص أصحابهم الفقهاء العدول والثقات، وأعدائهم من النواصب الكذابين والغلاة.
5 ـ الاَحاديث المستفادة في علم الاَُصول.
6 ـ الاَحاديث الخاصّة في الفلسفة والكلام. 
 
(252)
7 ـ أحاديث الاَذكار والاَدعية.
8 ـ الاَحاديث الاَخلاقية.
9 ـ أحاديث الوعظ والاِرشاد.
10 ـ الاَحاديث الخاصّة بحياة أهل البيت عليهم السلام وتاريخهم.
11 ـ الاَحاديث الخاصّة بوقائع وأحداث التاريخ الاِسلامي، سواء في العهد النبوي أو في عهد الصحابة.
هذا فضلاً عما صنّفه من كتب خاصّة في أحاديث الاَحكام، وقد أخذت تلك الاَحاديث حيّزاً كبيراً في مؤلفاته ورسائله الفقهية أيضاً.
وأمّا عن مصنّفات الشيخ التي يمكن أن تكون أساساً لمعرفة هذه الاَصناف، فهي: التهذيب، والاستبصار، والاَمالي، والغيبة، والخلاف، ومصباح المتهجّد، والتبيان، وتلخيص الشافي، والعدّة في أُصول الفقه.
كما يمكن الاستفادة أيضاً من كتبه الاَُخرى ورسائله المتعددة لاشتمالها على جملة من الاَحاديث، كالمسائل الكلامية، والاعتقادات، والمسائل الحائرية، ورسالة في تحريم الفقاع، وغيرها.
ولما لم يكن الهدف من هذا هو دراسة تلك الاَصناف لتوزيعها من قبل الشيخ على علوم الشريعة التي سيأتي بيان دوره فيها، لذا سنقتصر على ما صنّفه في الحديث خاصّة، لاَجل بيان دوره فيه، وإن كان استجلاء ذلك الدور خليقاً بتتبّع ودراسة سائر موارده المبثوثة في دراسات الشيخ الطوسي وبحوثه، وهو ما قد نكتفي بالاِشارة السريعة إليه في هذه الدراسة.
وعلى أية حال، فإنّ الشيخ قدس سره قد صنّف في الحديث الشريف كتباً ثلاثة اشتملت على أكثر من خمسة عشر ألف حديث، وهي: 
 
(253)
1 ـ تهذيب الاَحكام .
2 ـ الاستبصار فى ما اختلف من الاَخبار.
3 ـ كتاب الغيبة.
4 ـ الاَمالي، أو المجالس في الاَخبار.
وسوف نذكر تعريفاً موجزاً بهذه الكتب، وعلى النحو الآتي:
أمّا التهذيب:
فهو ثالث الاَُصول الاَربعة في الحديث عند الشيعة الاِمامية، المتواترة النسبة إلى مؤلّفيها بنحو القطع، وهو مشتمل على عدّة من كتب الفقه كما صرّح بذلك الشيخ نفسه في كتابه الفهرست، إذ ترجم لنفسه، وعدَّ مصنّفاته بقوله: «.. له مصنّفات، منها: كتاب تهذيب الاَحكام وهو مشتمل على عدّة كتب من كتب الفقه»(1).
ثمّ ذكرها ابتداءً بكتاب الطهارة، وانتهاءً بكتاب الديّات، فكانت ثلاثة وعشرين كتاباً، وهي في المطبوع كذلك.
وقد أحصى العلاّمة النوري في كتابه خاتمة المستدرك عدّة أبواب وأحاديث التهذيب، فبلغت (393) باباً، و (13590) حديثاً(2)، وهناك بعض التفاوت اليسير بين هذا الاِحصاء، وبين ما في المطبوع، وقد وقع نظيره في عدّة أبواب وأحاديث الاستبصار كما سيأتي بيانه وتبريره في محلّه.
وهذا الكتاب المعبّر عنه بالرمز (يب) لاَجل الاختصار، يُعدّ أول مؤلّفات الشيخ قاطبة؛ لاَنّه أرجع في أغلب كتبه إليه، ولم يُرجع فيه إلى أي 
 
 
(1) الفهرست: 159 ـ 160 رقم 699.
(2) خاتمة مستدرك الوسائل 6|415، من الفائدة السادسة. 
 
(254)
منها، كما أنّه ابتدأ به عند عدّ مؤلّفاته في الفهرست، زيادة على أنّه شرع بتأليفه في حياة أُستاذه الشيخ المفيد أبان فترة تلمذته عليه كما هو ظاهر من نقل عبارات الشيخ المفيد في كتابه المقنعة مقرونة بالدعاء له والتأييد، كما في سائر العبارات المنقولة عنه في الجزء الاَوّل وبداية الثاني من التهذيب، ثمّ بدأ بالترّحم على روح شيخه المفيد قدس سره في باب فرض الصلاة في السفر(1)، وهكذا إلى آخر الكتاب، وهذا يعني وفاة الاَُستاذ والشيخ بعد لم يتمّ كتاب الصلاة.
وبما أنّ عـمره يوم وفـاة أُستاذه الـمفيد ثمانية وعشرون عاماً ـ وهو لا يكفي لاَكثر من التهذيب مع التلمذة ـ، فيعلم منه أنّه شرع في تأليف التهذيب وهو دون هذا السن، ولكن لا يعلم بالضبط في أيّة سنة من السنوات الخمس التي قضاها تحت رعاية الشيخ المفيد، ولعلّ احتمال السـنة الاَُولـى، أو الثانيـة هو الاَرجح من السنوات الثلاث الاَُخر؛ بلحـاظ ما يتقدّم ـ عادة ـ على التصنيف من وقت كثير لجميـع مادّتـه، وهـو غـالباً ما يستنزف الجهد الكثير لتتبّع المصادر، لا سيّما اذا كان مشروع البحث الحديث، لكثرة موارده وشوارده، فكيف لو كان الاَمر متعلّقاً بكتاب مثل التهذيب الذي لم يكن مجرد شرح لمتن فقهي؟ وإنّما كان لاَغراض وأهداف كبيرة، لم يتصدّ لها أحد من علماء الشيعة قبل زمان الشيخ قطّ.
وعلى هذا يمكن القول: بأنّ الشيخ انطلق نحو أفق التأليف ليحلّق عالياً جداً في سمائه، وهو دون الخامسة والعشرين، وكان التهذيب بداية الانطلاق. 
 
 
(1) انظر: تهذيب الاَحكام 2|12 باب رقم 2، أوّل الباب. 
 
(255)
وإذا ما نظرنا إلى ما في تهذيب الاَحكام من «دقائق نفيسة، وآراء ناضـجة، وترجـيحات مسـتقيمة، ومحاسن لا تُقدّر بقيمة»(1)، زيادة على ما فيه من لفتات الاستدلال البارعة مع التفنّن بطرق الجمع والترجيح المتعددة، وتتبّع الآف الروايات المتّفقة والمختلفة، وروايتها عن عشرات المشايخ وربط حديثهم بمصادره عبر سلاسل الرواة؛ تعلم عبقرية الشيخ الطوسي وهو في هذه المرحلة المبكّرة من العمر.
وغرضنا من التعرّض لمثل هذه الاَُمور ونظائرها التي قد تبدو قليلة الاَهمية في بيان دور شيخ الطائفة في الحديث وعلومه، إنّما هو لاَجل اكتمال الصورة حول توجّهه الكامل إلى خدمة الحديث الشريف في حياته العلمية كلّها، ابتدء من الشروع بتأليف التهذيب في سنّ التلمذة على يد الشيخ المفيد، ثمّ الاِبداع النادر في الاستبصار في عهد السيّد المرتضى.
مع الاِلتفات إلى حاجة الاَُمّة إلى حقيقة الاِمام المهدي عليه السلام وغيبته على ضوء ما ورد فيها من أخبار قبل ولادته عليه السلام ، كما يتّضح من تأليفه كتاب الغيبة أثناء زعامته الدينية المطلقة ببغداد، ولم تتعبه السنوات العجاف التي ساد فيها ليل السلاجقة، فهاجر إلى النجف ليواصل عطاؤه العلمي، فترك لنا من الحديث ـ بعد أن قارب السبعين خريفاً ـ كتابه الاَمالي أو المجالس في الاَخبار.
وقد كانت وراء كل هذه المؤلّفات وغيرها أهداف وغايات سامية، ففي أماليه مثلاً حاول بيان وجه الحقّ الذي طالما حاولت بعض الجهات 
 
 
(1) مقال للشيخ المظفر عن الشيخ الطوسي، منشور في مجلّة النجف العددان 6 ـ 7 السنة الثانية ص 4، نقلناه عن كتاب الشيخ الطوسي للاَُستاذ الدكتور حسن عيسى علي الحكيم: 349. 
 
(256)
المتطرفة إماتته بشتّى الوسائل، تارة بالحظر، وأُخرى بالتدوين، ولهذا نجد فيه التركيز المستمر على بيان النصّ المتواتر على خلافة أمير المؤمنين عليه السلام ، وفضح محاولات الالتفات عليه بشتّى الروايات.
وفي الغيبة أراد إيضاح حقيقة الفرق المخالفة وتفنيد مزاعمها بخصوص من انتحلوا له صفة المهدوية كذبا وزوراً وجهلاً، مع إيضاح حقيقة الحال وبيان من هو الاِمام المنقذ الذي سيملاَ الاَرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً، مع تأكيد غيبته عليه السلام بمئات الروايات المنقولة بالاِسناد عن آبائه الاَطهار قبل ولادته المباركة بعشرات السنين.
وفي الاستبصار رأى أنّ يجمع الاَخبار المختلفة والمتعارضة ليبيّن حقيقتها وواقعها بطريقة لم يسبقهُ اليها سـابق ولم يلحـق به أو يجاره عليها ـ على طول الزمان ـ لاحق، حتّى أصبح الاستبصار فريداً في بابه، بشهادة أهل الحديث وأربابه.
وأما التهذيب، فقد رام فيه القضاء المبرم على الاِثارات التي كانت تصدر بين حين وآخر من قبل خصوم أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم بخصوص تباين أخبار الشيعة وتضادّها وتناقضها، وغلق المنافذ التي يتسلل منها الخصوم لا سيّما بعد أن وجدت شبهاتهم في بعض النفوس المتخاذلة مكاناً، إذ لم يتعمّقوا في حقيقة المذهب الحقّ.
ومن هنا نجد الشيخ في التهذيب قد تابع تلك الشبهات والاِثارات وفندها بالدليل تلو الآخر، ولم يكتف بذلك، إذ وجد الطريق مناسباً للرّد والنقض، فسلكه وسار عليه بخطوات ثابتة لم تزل عن مكانها ولو مرة واحدة، حتّى جاء التهذيب بأروع ما يكون في بيان تناقض الخصم وتهافت آراؤه وبطلان حججه، وفي أماكن شتّى في أبوابه ابتداءً من مسائل 
 
(257)
الوضوء(1)، وانتهاء بمسائل الميراث(2).
وقد أشار الشيخ إلى غرضه هذا في مقدّمة الكتاب، ومنه يعلم غيرته العظمى على الدين وتزييف رأي من خالفه وبيان تناقضه وجهله بالاَحكام.
فالتهذيب إذاً مع كونه كتاباً حديثياً، إلاّ أنّه ضم، بين دفتيه دفاعاً محكماً عن مبتنيات أهل الحقّ في سائر الفروع الفقهية ابتداءً من الطهارة وانتهاءً بالديّات، وذلك بجمع أدلّتها من الحديث الصحيح المسند مع تضعيف ما خالفها أو تأويله بكل دقّة وتفصيل.
ومن هنا وقف فحول العلماء إزاء التهذيب والاستبصار معاً موقف الاِعجاب الشديد، ولا بأس بنقل ما قاله واحد منهم، وإن لم يكن الغرض تفصيل أقوالهم.
قال السيّد بحر العلوم قدس سره في الفوائد الرجالية عن دور الشيخ الطوسي فى الحديث وأمّا الحديث، فإليه تُشد الرحال، وبه تبلغ غاية الآمال، وله فيه من الكتب الاَربعة ـ التي هي أعظم كتب الحديث منزلة، وأكثرها منفعة ـ: كتاب التهذيب وكتاب الاستبصار، ولهما المزيّة الظاهرة باستقصاء ما يتعلّق بالفروع من الاَخبار، خصوصاً التهذيب، فإنّه كافٍ(3) للفقيه فيما يبتغيه من روايات الاَحكام مغنياً عمّا سواه في الغالب، ولا يغني عنه غيره 
 
 
(1) انظر: ما قاله الشيخ في التهذيب 1|52 ـ 103 باب 4 في صفة الوضوء.
(2) انظر: كذلك ما بيّنه من تناقضهم في إبطال العول والعصبة في التهذيب 9|247 ـ 268 باب 21.
(3) في الاَصل «كان»، والتصويب من العلاّمة النوري في خاتمة المستدرك 6|13 من الفائدة السادسة، والسيّد حسن الخرسان فى مقدمة تحقيقه لكتاب التهذيب 1|46، فلاحظ. 
 
(258)
في هذا المرام، مضافاً إلى ما اشتمل عليه الكتابان من الفقه والاستدلال، والتنبيه على الاَُصول والرجال، والتوفيق بين الاَخبار، والجمع بينها بشاهد النقل أو الاعتبار»(1).
ومن هنا اعتمد التهذيب بشكل مباشر فطاحل الفقهاء، قال السيّد محسن الاَمين العاملي عن هذه الظاهرة: «وكفى أنّ العلاّمة الحلّي جعله موضع اعتماده وحده في نقل الاَحاديث في كتاب التذكرة إلاّ ما شذّ»(2). 
 
 
(1) الفوائد الرجالية ـ للسيّد بحر العلوم ـ 3|229.
(2) أعيان الشيعة ـ للسيّد محسن الاَمين العاملي ـ 9|161. 
 
 
الفصل الثـاني
تيسـير سبل التأويل والجمع بين الاَخبار
 
عُرف الشيخ الطوسي ـ رضي الله تعالى عنه ـ أوّلاً بنشاطه المميّز في الحديث الشريف وعلومه، وبرز في هذا الحقل في أوائل حياته العلمية حتّى فاق فيه أساطين الحديث في عصره، وكادت أن تغطّي عبقريّته أساتذته العظام من أمثال الشيخ المفيد والسيّد المرتضى لو لم يبلغا من العلم غايته القصوى.
وهذا الكلام قد يبدو صعباً لاَوّل وهلة، ولكن الاَصعب منه ـ وهو الواقع ـ أن يتحقّق كلّ هذا للشيخ ـ ليكون فلتة من فلتات العباقرة ـ وهو لم يتجاوز العقدين إلاّ بقليل..
وقد عرفنا شيئاً عن هذه الحقيقة في الفصل الاَوّل من فصول هذا الدور، وبقيت أشياء أُخرى موزّعة على فصول، نستهلّها بما في هذا 
 
(106)
الفصل، فنقول:
حاول الشيخ الطوسي قدس سره في كتابيه التهذيب و الاستبصار تيسير فهم التأويل الصحيح للاَحاديث المختلفة بسبل شتّى، مع بيان كيفية الجمع بينها لغايةٍ أشرنا لها في ما تقدّم.
ومن هنا اضطـرّ إلى رصدها وتتـبّعها في جميع ما وصل إليه من كـتب الحديث وأُصوله ومصنّفاته، حتّى قال عن جهوده تلك في كتاب العدّة في أُصول الفقه ـ في ذِكر الخبر الواحد، وجملة القول في أحكامه ـ ما هذا نصّه:
«وقد ذكرت ما ورد عنهم عليهم السلام من الاَحاديث المختلفة التي تختصّ بالفقه في كتابي المعروف بـ: الاستبصار، وفي كتاب تهذيب الاَحكام ما يزيد على خمسة آلاف حديث»(1).
وهذا العدد وإن لم يجتمع في كتاب حديثي شيعي قبل كتاب التهذيب قطّ، إلاّ أنّه لا يمثّل العدد الكلّي الذي وقف عليه الشيخ الطوسي من الاَخبار المختلفة، بدليل أنّه وصف ما لم يذكره ـ في موارد عدّة من الكتابين ـ بالكثرة.
ومن الاَمثلة الدالّة على ذلك ما ذكره الشيخ في باب الاَحداث الموجبة للطهارة من التهذيب، من الاَخبار الدالّة على كون النوم من الاَحداث الموجبة للطهارة، كخبر سماعة، وخبر زرارة، وخبر عبـد الحميد ابن عواض، وخبر محمّـد بن عبيـدالله وعبـدالله بن المغيرة، وخبر إسحاق ابن عبـدالله الاَشعري(2). 
 
 
(1) العدّة في أُصول الفقة 1|137 ـ 138، الفصل الرابع.
(2) تهذيب الاَحكام 1|6 ح 1 ـ 5 باب 1. 
 
(107)
فقد أورد الشيخ بعد تلك الاَخبار خبرين آخرين تضمّنا نفي إعادة الوضوء من النوم، وهما: خبر عمران بن حمران، وخبر بكر بن أبي بكر الحضرمي(1).
ثمّ قال: «وكذلك سائر الاَخبار التي وردت ممّا يتضمّن نفي إعادة الوضوء من النوم؛ لاَنّها كثيرة»(2).
ثمّ بيّن المعنى المراد بالنوم المذكور في الخبرين بما يزيل التنافي الظاهر بينهما وبين ما تقدّم عليهما من أخبار.
وهذا يكشف عن أنّ إعراض الشيخ عمّا وصفه بالكثرة، إنّما كان بسبب اكتفائه بذِكر بعضه؛ ولمّا كان جواب بعضه هو جواب الكلّ بحكم وحدة الدلالة، فلا معنى لذِكر الجميع سوى التطويل الذي حرص الشيخ على تجنّبه في مؤلّفاته كافّة، خصوصاً وهو لا يعلم ـ وقتئذٍ ـ بما سيؤول إليه مصير التراث الشيعي على أيدي الهمج الرعاع الّذين أحالوا معظم تراثنا إلى رماد، لا سيّما في الجامع الاَزهر، ومن قبلُ في بغداد! والمهمّ هنا، هو أنّ ما فعله الشيخ يعبّر عن جهود علمية مضنية في الحديث ولكنّها غير منظورة؛ لاختفائها في ما وراء تلك الاِشارات.
وأعني بتلك الجهود، استقصاء الشيخ للحديث المختلف بأكثر ممّا هو عليه في التهذيب و الاستبصار، ثمّ تصنيفه بحسب دلالته، وفرز ما اتّحد في الدلالة، ثمّ انتقاء بعضه مع الاِشارة الطفيفة إلى الآخر في مورده، إذ لا تُعقل إشارته لشيءٍ لم يَره. 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 1| 7 ح 6 و 7 باب 1.
(2) تهذيب الاَحكام 1|7 ذ ح 7 باب 1. 
 
(108)
كما أنّ التمعّن في أخبار التهذيب يكشف هو الآخر عن استقصاء الشيخ لاَدلّة الفقه من الاَخبار المتّفقة وإن لم يذكرها كلّها في التهذيب عند تعرّضه لشرح أقوال شيخه المفيد وبيان مستندها، إذ أقصى الكثير منها واكتفى ببعضها للعلّة المذكورة في تركه الكثير من الاَحاديث المختلفة.
ونظرة سريعة واحدة إلى أيّ باب من أبواب الوسائل تشعرك بهذا، وكم من حديثٍ تجده مخرّجاً عن الكافي أو الفقيه أو غيرهما من الكتب التي اعتمدها الشيخ وبشكل مطّرد، ولكنّك لا تجده لا في التهذيب ولا في الاستبصار، بل تجد نظيره!
وفي هذا دلالة واضحة على استفراغ الشيخ ما في وسعه لتتبّع واستقصاء أدلّة الاَحكام الفرعية والوقوف عليها عن كثب، ثمّ إقصاء ما شاء منها واختيار ما وافق مسلكه في الاختصار.
وكدليل آخر على تلك الجهود المضنية غير المنظورة أيضاً، تنبيهه على ما لم يؤخذ من فتاوى الشيخ المفيد من جهة الاَثر، كقوله مثلاً في باب أوقات الصلاة: «فأمّا ما ذكره رحمه الله من اعتبار الزوال بالاصطرلاب والدائرة الهندسية، فالمرجع فيه إلى أهل الخبرة، وليس مأخوذاً من جهة الاَثر»(1).
ولا يخفى أنّ فقدان النصّ المؤيّد لتلك الفتيا لا يضرّ بصحّتها؛ لاَنّ الرجوع إلى أهل الخبرة في كلّ فنّ من المرتكزات العقلية التي لا تُنكَر، ومع هذا قد يكون لها مستند من نصوص عامّة، وإن لم يكن في خصوصها ثمّة أثر. 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 2|26 ذ ح 74 باب 4. 
 
(109)
وما يعـنينا هنا، هو أنّ كلام الشـيخ قدس سره ينطوي على مراجعته لجميع ما في كـتب الحديث وأُصوله ومصنّفاته الكثيرة الواصلة إليه، وإلاّ كيف يقول: «وليس مأخوذاً من جهة الاَثر» من دون التأكّد من مراجعة موارد الاَثـر؟!
وعلى أيّة حال، فإنّ المهمّ هنا هو تسجيل ما يدلّ بصراحة على دوره العظيم في خدمة الحديث الشريف، لا سيّما الحديث المختلف، وذلك من خلال تيسـير سُـبل تأويله وكيفية الجمع بين مداليل ما اختُلف واتُّفق، وهـو ما سـنبيّنه في الفقرات الآتية:
 
 
أوّلاً: بيان معاني الاَخبار:
ربّما يظنّ حصول التعارض بين جملة من الاَخبار بسبب سوء فهم دلالاتها، مع أنّها في الواقع متّفقة غير مختلفة.
ومن هنا نجد الشيخ الطوسي قدس سره قد أَوْلى هذا النوع من الاَخبار عناية خاصّة، إذ بيّن ما يكتنفه من غموض وأزال الالتباس المؤدّي إلى الظنّ باختلاف وتناقض تلك الاَخبار.
فغايته إذاً من بيان المعنى لجملة من الاَخبار إزالة ذلك الالتباس والقضاء عليه، ولا شكّ أنّ فهم الخبر على وجهه يتطلّب معرفة واسعة في اللغة ودلالات الاَلفاظ، فضلاً عن التضلّع بالحديث دراية ورواية.
وهناك أمثلة شتّى في التهذيبين شاهدة على عناية الشيخ بهذا الجـانب؛ نذكـر منـهـا مـا أخرجـه في بـاب وجـوب الحـجّ بسـنـده عـن أبي عبـدالله عليه السلام ، أنّه قال: 
 
(110)
«أنزل الله عزّ وجلّ فرض الحجّ على أهل الجَـدَةِ(1) في كلّ عام».
ثمّ أورد حديثين آخرين عن الاِمامين الصادق والكاظم عليهما السلام ، بهذا المعنى(2).
وبما أنّ الـمعروف في فرض الحجّ عـند جميع المسلمين ـ بلا خلاف ـ هو مرّة واحدة، وما زاد على المرّة فمستحبّ بالاِجماع، كما بُيِّن في أحاديث الباب المذكور نفسه..
لذا قال الشيخ معقّباً على تلك الاَحاديث التي توحي بظاهرها وجوب الحجّ على الاَثرياء في كلّ عام: «فمعنى هذه الاَخبار: أنّه يجب على أهل الجَـدَةِ في كلّ عام على طريق البدل؛ لاَنّ مَنْ وجب عليه الحجّ في السنة الاَُولى فلم يفعل وجب عليه في الثانية، وكذلك إذا لم يحجّ في الثانية وجب عليه في الثالثة، وعلى هذا في كلّ سنة إلى أن يحجّ.
ولم يَعنوا عليهم السلام وجوب ذلك عليهم في كلّ عام على طريق الجمـع.
ونظير هذا ما نقوله في وجوب الكفّارات الثلاث، من أنّه متى لم يفعل واحدة منها، فإنّا نقول: إنّ كلّ واحدة منها لها صفة الوجوب، فإذا فعل واحدة منها خرج الباقي من أن يكون واجباً؛ وكذلك القول في ما تضمّنت هذه الاَخبار»(3).
وهذه الطريقة في توضيح المتون وإن وجدت بذورها في كتب 
 
 
(1) أي: أهل الثراء، الاَغنياء.
(2) تهذيب الاَحكام 5|16 ح 46 ـ 48 باب 1.
(3) تهذيب الاَحكام 5|16 ـ 17 ذ ح 48 باب 1. 
 
(111)
الحديث المصنّفة قبل التهذيب، كالكافي(1)، و الفقيه(2)، إلاّ أنّها لم تكن مطّردة في جميع ما في تلك الكتب من متون هي بحاجة إلى بيان وتوضيح، كما هو الحال في التهذيب(3)، والاستبصار(4).
 
 
ثانياً: بيان فقه الحديث:
تعرّض الشيخ الطوسي في كتاب التهذيب إلى بيان فقه الاَحاديث، خصوصاً المردّدة منها بين عدّة وجوه محتملة، فكان قدس سره يأخذ بأقواها حجّة وأبرمها دليلاً، ويوجّه فقه الحديث تارة على أساس ذائقته الفقهية مع الفهم الثاقب وإعمال الفكر في فهم الخبر، وأُخرى على أساس تراكم مؤيّدات ذلك التبيّن من الاَثر، والاَخير هو المطّرد في سائر أجزاء التهذيب، بل هو المصرّح به في ديباجة الكتاب كما أشرنا له من قبل.
 
 
ومثـال الاَوّل:
حـديث علي بن مهـزيار عـن الاِمـام أبي جعفر الجـواد عليه السلام ، قال: «قيل له: إنّ رجلاً تزوّج بجارية صغيرة فأرضعتها امرأته، ثمّ أرضعتها امرأة أُخرى، فقال ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية 
 
 
(1) انظر: فروع الكافي 3|29 ذ ح 7 باب 11 من كتاب الصلاة.
(2) انظر: من لا يحضره الفقيه 3|139 ح 611 باب 69 و ج 3|196 ـ 197 ح 892 و ح 896 باب 95.
(3) انظر على سبيل المثال تعليق الشيخ 1 على أحاديث التهذيب الآتية: 1|47 ح 136 باب 3، 2|757 ح 191 باب 10، 3|14 ح 48 باب 1، 4|89 ح 262 باب 27، 5|378 ح 1318 باب25، 6|372 ـ 373 ح 1080 و 1081 باب 93، 7|20 ـ 21 ح 87 باب 2، 8|194 ح 680 باب 8، 9|84 ح 21 باب 1، 10|6 ح 19 باب 1، وغيرها.
(4) وكذلك على أحاديث الاستبصار الآتية: 1|33 ح 87 باب 17، 2|297 ح 1059 باب 204، 3|68 ح 227 باب 41، 4|99 ح 383 باب 62، وغيرها. 
 
(112)
وامرأتاه(1)!
فقال أبو جعفر عليه السلام : أخطأ ابن شبرمة، حرمت عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أوّلاً، فأمّا الاَخيرة لم تحرم عليه؛ لاَنّها أرضعت ابنته»(2). وهنا قال الشيخ معقّباً:
«وفقه هذا الحديث: إنّ المرأة الاَُولى إذا رضعت الجارية حَرُمَت الجارية عليه؛ لاَنّها صارت بنته، وحرمت عليه المرأة الاَُخرى؛ لاَنّها أُمّ امرأته، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فإذا أرضعتها المرأة الاَخيرة أرضعتها وهي بنت الرجل لا زوجته، فلم تحرم عليه لاَجل ذلك»(3).
وهذا البيان وإن استدلّ فيه الشيخ ـ في جملة ما استدلّ به ـ على حديث «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» إلاّ إنّه لا يتنافى مع إعمال الفكر والذائقة الفقهية السليمة، وإلاّ فالحديث من المشهورات التي لا تخفى على ابن شبرمة وأمثاله، ولكن مقام حفظ الحديث أو روايته يختلف جذرياً عن مقام تطبيق الحديث على مصاديقه.
 
 
ومثال الثاني:
حديث معاوية بن عمّار عن الاِمام الصادق عليه السلام ، قال: «المفرد عليه طواف بالبيت، وركعتان عند مقام إبراهيم عليه السلام ، وسعي بين الصفا والمروة، وطواف الزيارة ـ وهو طواف النساء ـ، وليس عليه هدي 
 
 
(1) الظاهر أنّ هذه الحكاية كانت مشهورة عن ابن شبرمة، ولعلّها صدرت منه أيّام تولّيه القضاء لاَبي جعفر الدوانيقي (المنصور العبّاسي) على سواد الكوفة، إذ من الواضح أنّ ابن مهزيار لم يكن في عصر ابن شبرمة.
(2) تهذيب الاَحكام 7|293 ـ 294 ح 1232 باب 25.
(3) تهذيب الاَحكام 7|294 ذ ح 1232 باب 25. 
 
(113)
ولا أضحيّة.
قال: وسألته عن المفرد للحجّ هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة؟
فقال عليه السلام : نعم ما شاء، ويجدّد التلبية بعد الركعتين. والقارن بتلك المنزلة يعقدان ما أحلاّ من الطواف بالتلبية»(1).
وهنا عقّب الشيخ بقوله:
«قال محمّـد بن الحسن: فقه هذا الحديث: إنّه قد رخّص للقارن والمفرد أن يقدِّما طواف الزيارة قبل الوقوف بالموقفين. فمتى فعلا ذلك فإن لم يجدّدا التلبية يصيرا مُحِلَّينِ ولا يجوز ذلك؛ فلاَجله أُمرا ـ المفرد والسائق ـ بتجديد التلبية عند الطواف، مع أنّ السائق لا يُحلّ وإن كان قد طاف لسياقه الهدي. روى ذلك...»(2).
ثمّ أيّد هذا المعنى بروايتين، كما أيّد الرخصة في تقديم الطواف للمفرد بثلاث روايات، وأخيراً أيّد تجديد التلبية برواية واحدة(3).
وهذه الطريقة المثلى ـ في فهم السُـنّة الشريفة بالسُـنّة نفسها ـ قد انعكست بكلّ وضوح على كتاب التهذيب وكتاب الاستبصار اللذين قلّما نجد فيهما فقها تفريعياً مستنبَـطاً، فكانا بحقّ محاولة بِكر جمعت مع أغراضها التي أشرنا لها سابقاً فقهاً روائياً يكاد يكون بتحليلاته وتأويلاته ومحامله الآتية عديم النظير. 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 5|44 ح 131 باب 4.
(2) تهذيب الاَحكام 5|44 ذ ح 131 باب 4.
(3) انظر: تهذيب الاَحكام 5|44 ـ 46 ح 132 ـ 137 باب 4. 
 
(114)
 
 
ثالثاً: صفة التأويل بالاَثر:
إذا كان المراد بالتأويل، هو ما لم يكن مقطوعاً به لتردّده بين عدّة وجوه محتملة؛ لاَنّه «اللفظ الذي يراد به المعنى المرجوح من محتملاته»(1) فإنّه لا يمكن أبداً وصف تأويلات التهذيب و الاستبصار كلّها بهذا التعريف، لاَنّها لم تكن ـ في أغلبها ـ سوى تفسيراً للسُـنّة بما صحّ من السُـنّة الشريفة نفسها.
وبهذا يعود التأويل تفسيراً، وتنقلب دلالته الظنّية إلى القطع، لكون المقتضي للحمل على المرجوح قطعياً، ومن غير المعقول أن يكون مقتضي المحمول قطعياً في دلالته ـ كما لو كان من الحديث المتواتر ـ، ومع هذا يكون المحمول ظنّياً!
وهذه الحقيقة بالاِمكان تلمّسها في أغلب أبواب التهذيب أو الاستبصار؛ لاَنّ تراكم المؤيّدات الصحيحة الصريحة لكثير من التأويلات، مع تعدّد طرقها إلى أهل البيت عليهم السلام في كتاب التهذيب نفسه، وفي خارجه أيضاً؛ لِما تقدّم من اعتماد الشيخ طريقة الاختصار، وهو ما يوحيه لفظ تهذيب الاَخبار زيادة على ما أثبتناه في صحّة تلك الطريقة، يعني تواتر تلك المؤيّدات.
وعليـه: يكون العامل على طبق بعض تأويلات الشيخ، يكون عاملاً في الواقع على طبق الفتوى والاَثر (الصحيح أو المتواتر)، وهذا هو ما أشار إليه الشيخ في ديباجة التهذيب كما أوردناه سابقاً. 
 
 
(1) مناهج الاَخبار في شرح الاستبصار ـ لاَحمد بن زين العابدين العلوي ـ 1|4. 
 
(115)
وهذا لا يعني أنّ جميع ما في التهذيب أو الاستبصار من تأويل هو بهذه المثابة، كما يُعلم من مراجعة فتاوى ابن إدريس الحلّي في السرائر، ولكن الاِنصاف اقتضى التنبيه على وجود الكثير من التأويل الذي لم يغادر الوصف المذكور.
هـذا، وجدير بالاِشارة هو أنّ الشيخ الطوسي قدس سره لا يذكر الاَخبار المختلفة في أوائل أبواب كتابيه التهذيب و الاستبصار أبداً، وإنّما يستفتحها دائماً بالاَحاديث المتّفقة التي هي في الواقع مستند الشيخ المفيد في المقنعة، ثمّ يذكر بعد ذلك بعض ما خالفها من الاَخبار، ثمّ يؤوّل تلك الاَخبار بما يتّفق ودلالة ما قدّمه قبل ذلك من الاَخبار المتّفقة.
وعلى هذا فهو لا يحتاج إلى ذِكر مؤيّدات التأويل من الاَثر بعده، بل تكفي الاِحالة في ذلك إلى ما في أوائل الاَبواب، ولكنّه مع هذا لم يترك تأويلاته في الغالب بلا شاهد جديد مضاف.
وهذا ممّا ينبغي الالتفات إليه في مقام معرفة قوّة التأويل الموقوفة على معرفة رتبة مؤيّداته، وعليه سيكون تقييم التأويل بالنظر إلى شواهده اللاحقة غير مجزٍ ما لم يتمّ النظر إلى مؤيّداته السابقة.
بل وحتّى النظر إلى كِلا القسمين غير كافٍ في المقام، لاحتمال وجود مؤيّدات أُخر في باب آخر من التهذيب كما سنبيّنه بعد قليل.
وإذا لوحظ منهجه في الاختصار كما تقدّم عُلم أيضاً بأنّ ما ذُكر من مؤيّدات وشواهد لصحّة التأويل لا يدلّ على عدم وجود نظائرها في غير التهذيب؛ لِما مرّ من أنّه ليس من طريقة الشيخ ذِكر جميع ما استقصاه من الاَخبار المتّفقة.
 
(116)
ومن هنا أصبحت معرفة قوّة التأويل بالاَثر مضنية حقّـاً، إذ تتطلّب من الباحـث الرجوع إلى سائر المؤيّدات الخبرية ودراستها سنداً ودلالة؛ وقد لا يتأتّى هذا إلاّ إلى المتضلّعين بعلم الحديث رواية ودراية.
ومنه يتّضح عقم الانتقادات التي وجّهها بعضهم إلى تأويلات الشيخ من أنّ شواهدها الخبرية المذكورة بعدها ضعيفة بحسب الاصطلاح، خصوصاً وهو يجد في شروح التهذيب ـ كـ: ملاذ الاَخيار ـ وشروح الاستبصار ـ كـ: مناهج الاَخيار ـ توضيحاً شاملاً لرتب الاَحاديث.
ولهـذا، فإنّه حتّى لو افترضنا عدم وجود المؤيّد الآخر لا في التهذيب ولا في غيره، فلا يقدح هذا أيضاً بصحّة التأويل بحجّة ضعف مؤيّده المذكور بعده بحسب الاصطلاح، لسـببين، وهما:
 
 
الاَوّل:
وهو ما أشار إليه الشيخ حسن في منتقى الجُمان، وحاصله: إنّ الشيخ لم يتوخّ في أسانيد التهذيب سوى العلوّ، ولهذا فضّل بعض الطرق الضعيفة ـ بحسب الاصطلاح ـ على غيرها من الطرق الصحيحة المتوافرة لديه إلى أصحاب الكتب والمصنّفات المشهورة، كما هو واضح في كتابه الفهرست(1).
وبهذا يُفسّر استئثاره بما رواه عن محمّـد بن الحسن بن الوليد القمّي ـ وهو من مشايخ الشيخ الصدوق ـ بتوسّط الشيخ ابن أبي جيّد القمّي، وهذا العلوّ في الاِسناد لا يتوفّر للشيخ بغير هذا الطريق.
على أنّ ابن أبي جيّد ليس ضعيفاً، فهو محلّ اعتماد مشايخ الشيعة وأشهر المفهرسين لكتب الاَصحاب، وثقة جليل عند طائفة من العلماء وإن 
 
 
(1) راجع: منتقى الجمان 1|22 ـ 23 من الفائدة الثالثة و ج 1|29 ـ 30 من الفائدة الخامسة. 
 
(117)
ضعّفه بعضهم!
 
 
الثاني:
إمكان تصحيح أكثر طرق الشيخ الضعيفة باستخدام نظرية تعويض الاَسانيد التي لم تأخذ دورها كما ينبغي عند جميع الباحثين(1).
فكيف الحال إذاً لو كان المؤيّد صحيحاً ونظائره الكثيرة مثله؟!
ولكي تتّضح حقيقة ما ذكرناه نورد المثال التالي:
أورد الشيخ في التهذيب ثلاث روايات في باب زكاة الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وكلّها تخالف روايات الباب لاَنّها أوجبت الزكاة في الغلاّت دون أن تبلغ نصابها، وهي:
 
 
الاَُولى:
عن أبي بصير، قال: قال أبو عبـدالله عليه السلام : «لا تجب الصدقة إلاّ في وسقين، والوسق ستّون صاعاً»(2).
 
 
الثانية:
عن أبي بصير أيضاً، عن أبي عبـدالله عليه السلام ، قال: «لا يكون في الحَبِّ، ولا في النخل، ولا في العنب زكاة حتّى تبلغ وسقين، والوسق ستّون صاعاً»(3).
 
 
الثالثة:
عن ابن سنان، قال: سألت أبا عبـدالله عليه السلام عن الزكاة في كم تجب في الحنطة والشعير؟ فقال عليه السلام : «في وسق»(4).
وهنا قال الشيخ:
«فهذه الاَخبار كلّها محمولة على أنّ المراد بها الاستحباب والندب دون الفرض والاِيجاب، وليـس لاَحد أن يقول: لا يمكن حـملها على 
 
 
(1) أفردنا لهذه النظرية دراسة وافية بكتاب مستقلّ بعنوان: نظرية تعويض الاَسانيد للشهيد الصدر وقد يطبع قريباً إن شاء الله تعالى.
(2) تهذيب الاَحكام 4|17 ح 43 باب 4.
(3) تهذيب الاَحكام 4|17 ـ 18 ح 44 باب 4.
(4) تهذيب الاَحكام 4|18 ح 45 باب 4. 
 
(118)
الندب لاَنّها تتضمّن لفظ الوجوب(1)؛ لاَنّها وإن تضمّنت لفظ الوجوب فإنّ المراد بها تأكيد الندب؛ لاَنّ ذلك قد يعبّر عنه بلفظ الوجوب وقد بيّـنّاه في غير موضع من هذا الكتاب.
والذي يدلّ على أنّه لم يرد بها الفرض والاِيجاب الذي يستحقّ بتركه العقاب ما رواه:...»(2).
ثمّ أورد جملة من الروايات الدالّة على أنّ النصاب في زكاة هذه الاَشياء هو خمسة أوسق، وهي:
 
 
الاَُولى:
محمّـد بن علي بن محبوب، عن أحمد [بن محمّـد]، عن الحسين [بن سعيد]، عن النضر [بن سويد]، عن هشام [بن سالم]، عن سليمان [بن خالد]، عن أبي عبـدالله عليه السلام ، قال: «ليس في النخل صدقة حتّى تبلغ خمسة أوساق، والعنب مثل ذلك حتّى يكون خمسة أوساق زبيـباً»(3).
وجميع من في السند ثقة بالاتّفاق، فهو صحيح بلا خلاف.
 
 
الثانية:
محمّـد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّـاد بـن عيسـى، عـن حـريز، عـن محمّـد بـن مسـلم، قـال: سـألت أبـا عبـدالله عليه السلام عن التمر والزبيب، ما أقلّ ما تجب فيه الزكاة؟ فقال: خمسة أوساق...»(4).
وهذا الاِسناد صحيح معتبر لجلالة جميع من فيه، وإن قالوا بحسنه 
 
 
(1) في الاَصل: «تتضمّن بلفظ الوجوب».
(2) تهذيب الاَحكام 4|18 ذ ح 45 باب 4.
(3) تهذيب الاَحكام 4|18 ح 46 باب 4.
(4) تهذيب الاَحكام 4|18 ح 46 باب 4. 
 
(119)
بإبراهيم بن هاشم بحسب الاصطلاح.
 
 
الثالثة:
سعد [بن عبـدالله]، عن أبي جعفر [ابن عيسى الاَشعري]، عن محمّـد بن أبي عمير، عن حمّاد بن عثمان، عن عبيـدالله بن علي الحلبي، عن أبي عبـدالله عليه السلام ، قال: «ليس في ما دون خمسة أوساق شيء، والوسق ستّون صاعاً»(1)، وهذا الاِسناد صحيح أيضاً بلا خلاف. 
 
الرابعة:
علي بن الحسن، عن القاسم بن عامر، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير والحسن بن شهاب، قالا: قال أبو عبـدالله عليه السلام : «ليس في أقلّ من خمسة أوساق زكاة، والوسق ستّون صاعاً»(2).
والرواية ضعيفة سنداً بالقاسم بن عامر، ولكن لا يضرّ، فمتنها مخرّج من طرق صحيحة كما عرفت.
 
 
الخامسة:
وعنه [أي: عن علي بن الحسن بن فضّال]، عن محمّـد ابن إسماعيل، عن حمّاد بن عيسى، عن عمرو بن أُذينة، عن زرارة وبكيـر، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال: «وأمّا ما أنبتت الاَرض من شيء من الاَشياء فليس فيه زكاة إلاّ في أربعة أشياء: البُرّ، والشعير، والتمر، والزبيب، وليس في شيء من هذه الاَربعة الاَشياء شيء حتّى يبلغ خمسة أوساق، والوسق سـتّون صاعاً...»(3).
وجميع من في السند ثقة، ومحمّـد بن إسماعيل هو البرمكي الجليل، فالرواية موثّقة بعليّ بن الحسن، وهي معتبرة على كلّ حال. هذا بالنسبة إلى الشواهد والمؤيّدات الخبرية المذكورة بعد التأويل 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 4|18 ـ 19 ح 45 باب 4.
(2) تهذيب الاَحكام 4|19 ح 49 باب 4.
(3) تهذيب الاَحكام 4|19 ح 50 باب 4. 
 
(120)
مباشرة والدالّة على صحّته وسلامته.
وأمّا لو تابعنا بقيّة الشواهد الاَُخر فستجدها أضعاف هذا العدد، وإليك خلاصة ما وقفنا عليه منها في التهذيب وفي غيره:
1 ـ الرواية الاَُولى في الباب المذكور من التهذيب وهي في أعلى درجات الصحّة، فقد أخرجها عن سعد بن عبـدالله، عن أحمد بن محمّـد، عن أبيه؛ والحسين بن سعيد، عن محمّـد بن أبي عمير، عن عمر ابن أُذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام (1).
2 ـ الرواية الثانية من الباب المذكور مرسلة، ولا يضرّ إرسالها لما عرفت(2).
3 ـ الرواية الثالثة من الباب أيضاً موثّقة بعليّ بن الحسن بن فضّال(3).
4 ـ الرواية الرابعة أخرجها الشيخ في باب الخراج وعمارة الاَرضين من التهذيب بسنده عن الاِمام الرضـا عليه السلام ، وهي في أعلى درجات الصحّـة(4).
هذا عن المؤيّدات في داخل التهذيب فقط، وأمّا المؤيّدات التي لم يذكرها الشيخ فبالاِمكان تلمّسها من خلال مراجعة المجاميع الحديثية المتأخّرة، فإنّها أوردت الكثير من نظائر ما ذكرناه(5). 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 4|13 ح 34 باب 4.
(2) تهذيب الاَحكام 4|14 ح 35 باب 4.
(3) تهذيب الاَحكام 4|14 ح 36 باب 4.
(4) تهذيب الاَحكام 4|119 ح 342 باب 34.
(5) راجع: وسائل الشيعة 9|175 باب 1 من أبواب زكاة الغلاّت، ومستدرك الوسائل 
 
(121)
ومن خلال مراجعة الكلّ يُعلم بأنّ تأويل الشيخ لتلك الاَخبار إنّما كان يستند في الحقيقة على التواتر، لا في هذا المثال فقط، وإنّما في أمثلة شتّى من التهذيب.
 
 
رابعاً: بيان وجوه الخبر وتعدّد احتمالاته:
الخبر الذي تكون له عدّة وجوه محتملة، ويكون أحدها مرجوحاً، فحمله على الوجه المرجوح بمقتضى ما هو معتبر ـ كالخبر الصحيح أو المتواتر ـ يسمّى تأويلاً.
وهذه طريقة شائعة في فهم الكثير من الاَخبار المختلفة عند محاولة جمعها مع الاَخبار المتّفقة.
وتأويل المختلف بهذه الطريقة؛ ليوافق دلالة المتّفق ـ ولو على وجه من الوجوه ـ تتناسب قوّته تناسباً طردياً وقوّة المقتضي لذلك التأويل.
فكلّما كان المقتضي معتبراً كان التأويل معتبراً ومقبولاً.
وهذا لا يعني نفي الوجوه الاَُخر لكونها محتملة، ولكن درجة احتمالها تقاس بقوّة المقتضي للوجه الراجح؛ لاَنّها تتناسب عكسياً معه ولكن من جهة واحدة، ونعني بها تضاؤل درجة احتمال بقاء الوجوه الاَُخر كلّما ازدادت قوّة المقتضي للوجه الراجح مع بقائها على مستوى الاحتمال عند ضعفه؛ إذ الفرض افتقارها إلى أيّ سبب مرجّح سواء كان ضعيفاً أو ذا قوّة. 
 
 
7|87 باب 1 من أبواب زكاة الغلاّت، وجامع أحاديث الشيعة 9|119 باب 1 من أبواب زكاة الغلاّت. 
 
(122)
وأمّا لو بلغ المقتضي لِما هو راجح درجة لا يمكن معها اعتماد التأويل وبأيّ نحوٍ، فحينئذٍ ستتكافأ جميع وجوه الخبر ويعود متشابهاً، ويرجع في تفسيره إلى المحكم إن وجد، وإلاّ فالتوقّف كما هو مقرّر في محلّه.
وعلى هذا قد يلغي الطرف الراجح بقيّة الوجوه الاَُخر ـ وإن كانت محتملة ـ في ما لو بلغ مقتضيه درجة التواتر؛ لاَنّ درجة احتمالها ستهبط إلى أدنى المستويات إلى أن تتلاشى بفعل قوّة الوجه الآخر المؤيّد بالتـواتر.
وقد مرّ ما له صلة بهذا في صفة تأويل الخبر عند الشيخ قدس سره ، ونعني به الخبر المختلف الذي لم يترجّح من وجوهه المحتملة سوى وجه واحد فقط، وكان المقتضي للحمل عليه خبر متواتر.
وجدير بالذكر هنا هو أنّ المقتضي لحمل الخبر المختلف على أحد الوجوه قد لا يكون مقتضياً لذلك في الواقع، وإنّما خفي على صاحب التأويل ذلك، فأخذ بالمحتمل الضعيف، أو بما هو ليس بمحتمل أصلاً وعدّه راجحاً وترك الراجح بعد أن جعله محتملاً، كما نشاهده في كثير من تأويلات علماء العامّة لاَخبار النزول مثلاً!
ومن هنا يُعرف السرّ وراء ردّ الشيخ الطوسي قدس سره لجملة كثيرة من تأويلات العامّة سواء على مستوى تأويلهم للآيات ـ كما مرّ بنا في بيان دور الشيخ في التفسير وعلوم القرآن ـ، أو الاَخبار كتأويلهم حديث الغدير؛ لاَنّه استطاع وبكلّ جدارة أن يضع المقتضي لتلك التأويلات على محكّ النقد، ويكشف بالدليل عن هزاله وافتقاره لاَيّ رصيد من الواقع.
وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ المزيد من التوضيح في مجال بيان دور 
 
(123)
الشيخ في حقل الردود والنقود.
هـذا، وأمّا لو كان في الخبر الواحد المختلف عدّة وجوه محتملة، وترجّح منها أكثر من وجه واحد، أو كانت كلّها راجحة، فلا مانع من القول بصحّتها جميعاً عند اختلاف الحال؛ لاَنّها لم تتوارد في آن واحد على فعل واحد وحال واحدة، حتّى يقال بأنّها وجوه متنافية متدافعة لا يصحّ الحمل عليها!
وأيّ إشكال في حمل الخبر المختلف على وجه في حال، وعلى آخر في غيره، وعلى ثالث في غيرهما، خصوصاً بعد تأييد كلّ واحد منها بدليل معتبر؟! كما فعله الشيخ الطوسي في موارد كثيرة من التهذيبين، حتّى صار دوره في بيان وجوه الخبر وتعدّد احتمالاته دور المؤسّس والرائد الذي لم يسبقه إلى ذلك أحد.
وسوف نكتفي بمثال واحد من أمثلة بيان الشيخ لوجوه الخبر المختلف وتعدّد احتمالاته، وعلى النحو الآتي:
أورد الشيخ في باب الهبة المقبوضة ثلاثة من الاَخبار الدالّة على عدم جواز رجوع الواهب بهبته إذا خرجت إلى صاحبها، بينما تضمّن الباب خبرين آخرين بجواز الرجوع بالهبة بعد حيازتها إلاّ لذي رحم فإنّه لا يرجع فيهـا.
والشـيخ قدس سره بعد أن نفى التنافي بين تلك الاَخبار، بيّن أنّ الاَخبار الثلاثة الاَُولى محتملة عدّة أشياء، وهي بحسب ما ذكره الشيخ:
 
 
1 ـ الاحتمال الاَوّل:
إنّه إنّما لم يجز إذا قُبضت الرجوعُ فيها، إذا كان عين الشيء قد استُهلك ولا يكون قائماً بعينه.
ثـمّ أيّـد هـذا الاحتمـال بروايـة جميـل بن درّاج، والحلبـي، عـن 
 
(124)
أبي عبـدالله عليه السلام بأنّه قال: «إذا كانت الهبة قائمة بعينها فله أن يرجع، وإلاّ فليس له»(1).
 
 
2 ـ الاحتمال الثاني:
أن تكون بعوضٍ منها، فإنّه إذا كان كذلك لم يجز له أيضاً الرجوع فيها.
ثمّ أيّد هذا الاحتمال برواية عبـدالله بن سنان، عن أبي عبـدالله عليه السلام بأنّه قال: «إذا عوّض صاحب الهبة فليس له أن يرجع»(2).
كما أيّده برواية أُخرى أخرجها عن عبـد الرحمن بن أبي عبـدالله وعبـدالله بن سنان، قالا: سألنا أبا عبـدالله عليه السلام عن الرجل يهب الهبة أيرجع فيها إن شاء أم لا؟
فقال عليه السلام : «تجوز الهبة لذوي القربى، والذي يثاب عن هبته ويرجع في غير ذلك إن شاء»(3).
 
 
3 ـ الاحتمال الثالث:
أن يكون ذلك مخصوصاً بذوي الاَرحام البالغين؛ لاَنّ ذلك إذا قبضوها لا يجوز له الرجوع فيها.
ثمّ أحال الشيخ إلى ما تقدّم سابقاً من مؤيّد لهذا الوجه، كما أيّده أيضاً برواية سماعة، قال: «سألته عن رجل تصدّق بصدقه على حميم أيصلح له أن يرجع فيها؟
قال: لا، ولكن إن احتاج فليأخذ من حميمه من غير ما تصدّق به عليه»(4). 
 
 
(1) الاستبصار 4|108 ح 412 باب 67.
(2) الاستبصار 4|108 ح 413 باب 67.
(3) الاستبصار 4|108 ـ 109 ح 414 باب 67.
(4) الاستبصار 4|109 ح 415 باب 67. 
 
(125)
 
 
4 ـ الاحتمال الرابع:
أن يكون ذلك محمولاً على الكراهية دون الحظر.
وقد دلّ عليه برواية إبراهيم بن عبـد الحميد، عن أبي عبـدالله عليه السلام أنّه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من يرجع في هبته كالراجع في قيئه» ثمّ أوردها بعد ذلك من ثلاثة طرق عن الاِمام الصادق عليه السلام .
ومن مراجعة الاحتمالات المذكورة وإمعان النظر في أدلّتها، تُعلم قوّتها وخلوّها من أدنى تهافت يذكر، إذ لا تناقض أو تعارض بينها أصلاً.
وعليـه: فلا مانع من قبولها لا سيّما وأنّ الشواهد النقلية التي أسندها الشيخ إلى أهل البيت عليهم السلام ـ وهي صحيحة ومعتبرة ـ مؤيّدة لجميع تلك الاحتمالات.
والشيخ ـ رضي الله تعالى عنه ـ لم يقتصر على ما استعرضناه من فقرات في مجال تيسير سبل التأويل الصحيح وكيفية الجمع بين الاَخبار المختلفة، بحملها على وجوه واحتمالات متعدّدة راعى فيها اختلاف الحال لكي لا تتهافت فيما بينها، ولكي يكون جذرها ـ وهو الخبر المختلف أو المحتاج إلى شيء من المحامل الآتية ـ موافقاً لِما رواه في بابه من الاَخبار المتّفقة التي لا تحتاج إلى شيء من ذلك.
بل كانت له قدس سره محامل علمية أُخرى طالما استخدمها لاَجل تلك الغايـة فـي تمحـيص وتحـقيق الاَخـبار التـي أوردهـا في كـتابيه: التهـذيب و الاسـتبصار؛ وهذا ما سنكشفه من خلال الفقرات الآتية.
 
 
خامساً: حمل المجمل على المفصّل:
المجمل: هو كلّ ما له دلالة غير واضحة، وهو إمّا أنّ يكون لفظاً، 
 
(126)
وحينئذ لا يعرف مراد المتكلّم بالضبط، أو فعلاً فيُجهل مراد الفاعل، فالمجـمل إذاً هـو اللفظ أو الفعـل الذي لا ظاهر له، وقد يسمّى بالمبهم، ولا فرق بينهما إلاّ من جهة التسمية.
وأمّا المفصّل، وقد يسمّى بالمبيّن أيضاً، ولا فرق بينهما: فهو كلّ لفظ أو فعل له ظاهر يدلّ على مراد المتكلّم أو قصد الفاعل.
ومن غير شكّ أنّ فهم الخبر غير الواضح في حكمٍ، لا يتمّ إلاّ بالرجوع إلى الواضح في ذلك الحكم نفسه. وهذا هو المراد واقعاً من حمل المجمل على المفصّل.
ولهذا نجد أنّ الشيخ الطوسي قدس سره قد عُني عناية واضحة بجميع الاَخبار المجملة، وذلك بالرجوع إلى الاَخبار المفصّلة؛ ليؤكّد بذلك لاَنصـاف المتعلّمين ونظائـرِهم بأنّ ما أثـاروه حيـال الاَخبار المروية عن أهل البيت عليهم السلام لا حقيقة له ولا واقع؛ لاَنّها لم تكن في حقيقتها متعارضة ما دام الضابط الكلّي في الخبرين تكاذب دليلهما على وجه يمتنع اجتماع صـدق أحدهما مع صـدق الآخر، حتّى ضرب بذلك أروع الاَمثلة الدالّة على دوره العظيم في تنقيح الاَخبار وتهذيبها مع الكشف عن دلالتها وحقيقـتها.
ومن طـرائقه في ذلك هو حمل المجمل على المفصّل ـ كما أشرنا إليه ـ، وله أمثلة شتّى في التهذيبين:
منها: ما أخرجه مضمراً في باب الرجل يشتري المملوكة فيطأها فيجدها حبلى، بسنده عن عبـد الرحمن بن أبي عبـدالله، قال: سألته عن الرجل يشتري الجارية فيقع عليها فيجدها حبلى؟ قال: «يردّها ويردّ معها 
 
(127)
شيئاً»(1).
وبما أنّ الشيخ قد أخرج في الباب المذكور أخباراً أُخر عن ابن سنان، وعبـد الملك بن عمرو، وسعيد بن يسار، وفضيل مولى محمّـد بن راشد، وكلّها توضّح أنّ الذي يردّ مع الجارية في مثل هذه الحالة هو نصف عشر قيمتها؛ لنكاحه إيّاها.
لذا قال: «فالوجه في قوله: (ويردّ معها شيئاً): أن يُحمل على نصف عشر ثمنها؛ لاَنّ (الشيء) مُنكَر، وهو مجمل يحتاج إلى بيان، والاَخبار الاَوّله مفصّلة، فينبغي أن يحمل هذا الخبر عليها»(2).
ومنها: حمله إعادة طواف من لم يتوضّأ الواردة في روايات زرارة، وأبي حمزة، وعلي بن جعفر في باب من طاف على غير طهور، على طواف الفريضة لا طواف النافلة كما هو مفصّل في رواية محمّـد بن مسلم وروايتَي زرارة(3)، لاِجمال الحكم في الطائفة الاَُولى من الروايات وتفصيله في الثانية.
وهـذا هو ما أفتى به في التهذيب بقولـه في باب الطواف: «ومن طـاف على غير وضـوء أو طاف جـنباً، فإن كان طوافه طواف الفريضـة فلْـيُعِده، وإن كان طـواف السُـنّة توضّـأ أو اغتسـل، فصلّـى ركعـتين، وليـس عليه إعادة الطواف»، ثمّ أيّد تلك الفتوى بجملة من الاَخبار الصحيـحة(4). 
 
 
(1) الاستبصار 1|81 ح 275 باب 52.
(2) الاستبصار 3|81 ذ ح 275 باب 52.
(3) الاستبصار 2|222 ـ 223 ح 764 و 766 و 767 باب 145.
(4) تهذيب الاَحكام 5|116 ذ ح 377، وانظر: ما بعده من باب 9. 
 
(128)
وهناك موارد أُخرى كثيرة حُمل فيها المجمل على المفصّل ولا حاجة إلى تفصيلها(1)، ومنها يظهر ما بذله الشيخ من جهود عظيمة في مراجعة 
 
 
(1) انظر ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ تعليقات الشيخ على الاَحاديث الآتية:
1 ـ تهذيب الاَحكام 3|37 ح 131 باب 3 (أحكام الجماعة).
2 ـ تهذيب الاَحكام 7|62 ح 272 باب 5 (العيوب الموجبة للردّ).
3 ـ تهذيب الاَحكام 7|247 ح 1073 باب 4 (ضروب النكاح).
4 ـ تهذيب الاَحكام 7|283 ح 1197 باب 25 (فيمن أحلّ الله نكاحه).
5 ـ تهذيب الاَحكام 7|287 ح 1208 باب 25 (فيمن أحلّ الله نكاحه).
6 ـ تهذيب الاَحكام 8|155 ح 537 باب 6 (عدد النساء) وفيه الاِشـارة إلى مصطلح (الحكومة) الذي ادّعى بعضهم اكتشافه من قبل المتأخّرين، وتحديداً من قبل الشيخ الاَنصاري 1، فراجع!
7 ـ تهذيب الاَحكام 10|218 ح 858 باب 17 (الاثنان إذا قتلا واحداً).
8 ـ الاستبصار 2|7 ح 16 باب 2 (الزكاة في سبائك الذهب والفضّة).
9 ـ الاستبصار 2|26 ح 74 باب 11 (أنّ الزكاة إنّما تجب بعد إخراج مؤنة السلطان).
10 ـ الاستبصار 2|183 ح 607 باب 109 (جواز أكل ما له رائحة طيّبة من الفواكه).
11 ـ الاستبصار 2|219 ح 753 باب 142 (من طاف ثمانية أشواط).
12 ـ الاستبصار 3|33 ح 115 باب 18 (ما تجوز فيه شهادة الواحد مع يمين المدّعي).
13 ـ الاسبتصار 3|103 ح 362 باب 68 (إعطاء الغنم بالضريبة).
14 ـ الاستبصار 3|139 ـ 140 ح 502 باب 90 (حكم ولد الجارية المحلَّلة).
15 ـ الاستبصار 3|164 ح 598 باب 107 (الرجل يزني بالمرأة هل يحلّ لاَبيه أو ابنه أن يتزوّجها...).
16 ـ الاستبصار 4|9 ح 28 باب 5 (الرجل يعتق عبده عند الموت وعليه دين).
17 ـ الاستبصار 4|115 ح 437 باب (إقرار بعض الورثة لغيره بدينٍ على الميّت). 
 
(129)
وتدقيق ما أُجمِل في مكان وفُصِّل في آخر.
 
 
سادساً: حمل المطلق على المقيّد:
المطلق: هو اللفظ الدالّ على الماهية لا يقيّد، كقوله تعالى: (فتَحريرُ رَقَبةٍ)(1)، والمقيّد في مقابله، كقوله تعالى: (وَمَن قَتلَ مؤمِناً فَتحريرُ رقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ)(2).
والمطلق تارة يكون في المفردات كاسم الجنس، وعلم الجنس، والنكرة، وتارة يكون في الجمل كصيغة (إفعل)، والجملة الشرطية، وقد فُصِّل الكلام عنهما في كتب الاَُصول لدى الفريقين.
وجدير بالذِكر هنا قبل بيان أمثلة هذا الحمل من التهذيب، هـو أنّ هذا الحمل لا يكون مطلقاً في جميع الاَحوال، كما هو مقرّر في علم الاَُصول، إذ ربّما عملوا بالمطلق والمقيّد معاً من دون إلغاء المطلق، ومن دون أن يترتّب على ذلك محذور، كما لو جاء الخبر مثلاً باستحباب زيارة الاِمام الحـسين عليه السلام ، ثمّ جـاء خـبر آخر باستحباب الزيارة يـوم عاشـوراء. فهذا لا يعني أنّه قيدٌ للزيارة بهذا اليوم، بل يفيد تأكيد الاستحباب.
وعلى أيّة حال فإنّ الشيخ قدس سره قد راعى في الحمل المذكور عدم إمكانية العمل بالمطلق مع وجود المقيّد له، أو المقيّدات.
ومثال الاَوّل: ما أورده بسند صحيح عن الحلبي، عن أبي عبـدالله 
 
 
18 ـ الاستبصار 4|250 ح 949 باب 147 (أنّه يعتبر في الاِقرار بالسرقة دفعتان...).
(1) سورة المائدة 5: 89.
(2) سورة النساء 4: 92. 
 
(130)
عليه السلام، أنّه قال: «لا تقبل الاَرض بحنطة مسمّاة، ولكن بالنصف والثلث والربع والخمس، لا بأس به؛ وقال: لا بأس بالمزارعة بالثلث والربع والخمس»(1). وقد روى قبل هذا مباشرة جملة من الاَخبار في معناه.
وهنا قيّد الشيخ كراهية أُجرة الاَرض بالحنطة والشعير فيما لو زرعت فيها وأعطى صاحبها منها، بناء على وجود المقيّد لحكم الكراهية المطلق في تلك الاَخبار، فقال: «قال محمّـد بن الحسن: هذه الاَخبار كلّها مطلقة في كراهية إجارة الاَرض بالحنطة والشعير، وينبغي أنّ نقيّدها، ونقول: إنّما يكره ذلك إذا أجّرها بحنطة تُزرع فيها ويُعطي صاحبها منها، وأمّا إذا كان من غيرها فلا بأس بذلك، يدلّ على ذلك...»(2).
ثمّ أخرج ما يؤيّد هذا الحمل من الاَخبار: وهكذا في كلّ مورد حمل فيه المطلق على المقيّد، إذ لا بُدّ وأن يبيّن المقيّد ويكثر من طرقه سواء قبل الحمل المذكور أو بعده(3).
ومثال الثاني: ما جاء في باب من استأجر أرضاً بشيء معلوم ثمّ أجّرها بأكثر من ذلك.. فقد أورد الشيخ فيه ثلاثة أخبار كلّها تدلّ على جواز إجارة الاَرض بأكثر ممّا استأجرها، نكتفي بذِكر آخرها، وهو ما 
 
 
(1) الاستبصار 3|128 ح 459 باب 85 (ما يكره به إجارة الاَرضين).
(2) الاستبصار 3|128 ذ ح 459.
(3) انظر على سبيل المثال: الاستبصار 3|21 ذ ح 62 باب 15 (شهادة الاَجير)، 3|99 ذ ح 342 باب 64 (بيع السيوف المحلاّة بالفضة...)، 3|114 ـ 115 ذ ح 408 باب 17 (النهي عن الاِحتكار)، 4|11 ذ ح 32 باب 6 (من أعتق مملوكاً له مال)، وغيرها. 
 
(131)
أخرجه عن أبي المعزا(1)، عن أبي عبـدالله عليه السلام ، في الرجل يستأجر الاَرض ثمّ يؤجّرها بأكثر ممّا استأجرها؟
فقال عليه السلام : «لا بأس، إنّ هذه ليس كالحانوت ولا الاَجير، إنّ فضل الحانوت والاَجير حرام»(2).
وهنا قال الشيخ معقّباً على تلك الاَخبار:
«قال محمّـد بن الحسن: هذه الاَخبار مطلقة في جواز إجارة الاَرض بأكثر ممّا استأجرها، وينبغي أن نقيّدها بأحد أشياء...».
وإليك هذه الاَشياء المقيّدة مع أدلّتها على التقييد، وهي باختصار:
الاَوّل: جواز إيجار الاَرض بالنصف أو الثلث أو الربع إذا كان قد استأجرها بدراهم أو دنانير معلومة حتّى وإن علم بأنّ إيجارها كان أكثر من ذلك. وقـد أيّـد هـذا بـروايـة إسـماعيـل بـن الفـضـل الهـاشـمـي، عـن أبي عبـدالله عليه السلام .
الثاني: إذا استأجر الرجل الاَرض بالثلث أو الربع جاز له أن يؤجّرها بالنصف؛ لاَنّ الفضل إنّما يحرم إذا كان استأجرها بدراهم وأجّرها بأكثر منها، وعلى هذا الوجه فلا بأس.
وقد أيّد هذا برواية الحلبي عن أبي عبـدالله عليه السلام ، وبرواية إسحاق بن عمّار عنه عليه السلام أيضاً. 
 
 
(1) هو حميد بن المثنّى: وقد وقع الاختلاف الكثير في ضبط كنيته، انظر: خاتمة مسـتدرك الوسـائل 5|356 هامش رقم 14 من الفائدة الخامسة، تحقيق مؤسّـسة آل البيت عليهم السلام لاِحياء التراث.
(2) الاستبصار 3|129 ح 464 باب 86. 
 
دوره في الحديث الشريف وعلومه
إذا كانت ريادة الشيخ الطوسي في مقام الفقه الإمامي المستنبط واضحة لدى الجميع باعتباره أوّل من استوعب جميع الطاقات الفقهية السابقة التي تكاد تنحصر بجهود ابن الجنيد، والمفيد، والسـيّد المرتضى رضي الله تعـالى عنهم، وصبّهـا في قالب جديـد رائـع، فإنّ فقهـه الروائي لا يقلّ درجة عن فقهه المستنبط، فهو رائد الفقهَين، وإن كان الأخير هو السائد قبل عصر الشيخ الطوسي عند جميع فقهاء الإمامية.
ونستطيع أن نتلمّس هذا ونحن في دوره في الحديث الشريف وعلومه فضـلاً عمّا سيأتي من بيان دوره الفقهي الخالد؛ إذ من الواضح أنّه لا يمكن الفصل بين الفقه الروائي وما سطّره يراع الشيخ في كتابيه التهذيب والاستبصارر من آيات الاحتجاج والاستدلال بآلاف الأخبار، خصوصاً في ما يتّصل بتأويلاته التي لا زال معظمها معمولاً به عند الفقهاء إلى وقتنا الحاضر، كما تنـبّـئُك آثارها الحيّة الباقية إلى الآن في استدلالات 
 
(95)
واحتجاجات الفقهاء المعاصرين.
ولم يكن هذا ليتسنّى للشيخ، لو لم يشبع الأخبار المروية في الفقه الإمامي بحثـاً وتمحيصـاً، بعد أن حصرها ـ بجميع أقسامها وفروعها الكثيرة ـ بثلاثة أقسام لا رابع لها، وهي:
1 ـ الأخبار المتواترة.
2 ـ الأخبار المحتفّة بالقرائن.
3 ـ أخبار الآحاد.
وبما أنّ المتواتر لا نقاش في حجّـيّته؛ لكونها ذاتية، وما كانت حجّيّته كذلك، فهو في غنىً عن التماس الأدلّة على إثبات حجّيّته، ولهذا ترى الشيخ قد اكتفى بالقول عن الأخبار المتواترة بأنّها موجبة للعلم والعمل، مولياً عنايته بدراسة القسمين الآخرين، مبيّناً في ذلك القرائن المحتفّة بالخبر بقسميها، وهما: ما دلّ منها على صحّة الخبر في نفسه، وما دلّ منها على صحّة متضمَّنه مفصِّلاً طرق الجمع بين أخبار الآحاد المتعارضة، وطرق الترجيح أيضاً، وهذا الموقف العلمي النظري إزاء جميع الأخبار المروية عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعن الأئمّة عليهم السلام ، قد بيّـنّاه مفصّلاً في ما تقدّم من الحلقات السابقة.
وما نريد التأكيد عليه هنا، هو أنّ موقفه العلمي النظري إزاء تلك الأخبار ـ وهو ما أسّسه في مقدّمة التهذيب وديباجة الاستبصار، وأكّده في كتابه: العدّة في أُصول الفقه، لم يختلف عن موقفه العملي التطبيقي بشأن تلك الأخبار؛ لأنّ ما مهّده من سبل الجمع والترجيح وغير ذلك أوّلاً، سار عليه ثانياً، ولم يشذّ عنه ولو في مورد واحد، ومن هنا لم يحصل بين الموقفين تهافت أو تناقض، وإن حاول بعض الأشخاص أن يمسّهما معاً 
 
(96)
بدعوىً زائفة وزعم باطل لم يعتضد بأيّ دليل.
نعم، فقد اشتبه بعضهم اشتباهاً كبيراً بشأن ما أسّسه الشيخ في موقفه العلمي الأوّل من القرائن المحتفّة بالخبر، وطرق الجمع بين الخبرين المتعارضين، وسبل الترجيح بينهما، معمّماً نتائج اشتباهه بما فيه من مزاعم باطلة ليمسّ به كِلا الموقفين، وهو ما نجده ـ مع الأسف ـ عند الأُستاذ علال الفاسي، المعروف بين أوساط المثقّفين، وذلك في بحثه الموسوم: «من المدرسة الكلامية»؛ إذ تعرّض فيه إلى الشيخ الطوسي في كتابيه التهذيب والاستبصار، قائلاً ما نصّه:
«إذا تتبّعت ظروب القرائن التي نقلناها عن الشيخ، ووسائل الجمع، لا يمكن طرح أيّ حديث ينسب للرسول [ صلى الله عليه وآله وسلم ]، أو الأئمّة [ عليهم السلام ]؛ لأنّه لا بُـدّ أن يدخل في واحد منها، وهذا في الواقع اعتماد على الفكر لتبرير ما روي من الأخبار غير الصحيحة، ولو كانت ظاهرة الوضع»!(2).
ولا أدري كيف اقتنع الأُستاذ علال الفاسي بهذا الكلام، وهو يعلم بأنّ موقف علماء المسلمين جميعاً إزاء الخبرين المتعارضين، إنّما ينطلق ابتداءً من محاولات الجمع بينهما؛ فإن أمكن الجمع بينهما بتأويل أحدهما بما يوافق دلالة الآخر ولو بوجه من الوجوه فهو المتعيّن عندهم بلا خلاف، وقد صنّفوا في ذلك كتباً، كـ: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة الدينوري، وغيره.
وأمّا لو تعذّر الجمع، فلا بُـدّ من الرجوع إلى طرق الترجيح بين 
 
 
(1) من المدرسة الكلامية ـ لعلال الفاسي ـ، بحث قدّم إلى مؤتمر الشيخ الطوسي في ذكراه الألفيّة، المنعقد في مدينة مشهد المقدّسة سنة 1385 هـ، منشور في بحوث المؤتمر 2|283 ـ 284. 
 
(97)
الخبرين المتعارضين؛ وحينئذ إمّا أن يتساوى الخبران في كلّ شيء؛ لفقدان أيّة صفة مرجّحة لأيٍّ منهما، وهنا لا مناص من أحد القولين، وهما: التساقط، أو التخيير، وإمّا أن يترجّح أحدهما دون الآخر، وهنا لا بُـدّ من العمل بالراجح وطرح الآخر.
والشيخ قدس سره أشار لكلّ هذا في أوّل الكتابين، ومارسه عملياً فيهما، فكيف يقال إذاً بأنّه لم يطرح أيّ حديث في كتابيه التهذيب والاستبصار، ولو كان ظاهر الوضع؟!!
وأغلب الظنّ أنّ الأُستاذ علال الفاسي اشتبه بقول الشيخ الطوسي في ديباجة الاستبصار؛ إذ جاء فيها بعد تفصيل القرائن المحتفّة بالخبر، ووسائل الجمع وطرق الترجيح ما هذا نصه: «وأنت إذا فكّرت في هذه الجملة وجدت الأخبار كلّها لا تخلو من قسم من هذه الأقسام، ووجدت أيضاً ما عملنا عليه في هذا الكتاب وفي غيره من كتبنا في الفتاوى والحلال والحرام، لا يخلو من واحدة من هذه الأقسام»(1)..
فحسب الأُستاذ المذكور، أنّ جميع ما أورده الشيخ من أخبار، داخل في دائرة الاحتجاج والاستدلال، لا سيّما وأنّ الكلام المتّصل بهذه العبارة مسوق في دائرة الاحتجاج وكيفية الاستدلال بالخبر.
ومع هذا لا يُعذر الباحث في اشتباه كهذا، خصوصاً وأنّ الشيخ قدس سره قد بيّن قبل هذا نوعية الأخبار التي لا يجوز العمل بها لعدم إمكانية اعتمادها، كالخبر المعارِض للإجماع، أو ما كانت شهرة الفتوى على خلافه، وكذلك التصريح بطرح الخبر الراجح والعمل بالأرجح، كما لو 
 
 
(1) الاستبصار 1|5، من المقدّمة. 
 
(98)
حصل التفاوت بينهما من جهة كثرة الرواة، أو عدالتهم، ونحو ذلك من الأُمور الأُخر التي أشبعنا القول فيها في ما تقدّم من حلقات هذا الدور.
ثمّ ماذا يقال عن تصريح الشيخ بالعمل بالخبر الموافق لدلالة الأصل وترك ما خالف تلك الدلالة؟!
وإذا عرفنا أنّ المقصود بدلالة الأصل عند الشيخ، هي القواعد الكلّيّة المستنبطة من عمومات الآيات القرآنية، والأخبار المتواترة، والصحيحة الثابتة، والأُصول العملية، كأصل البراءة والاستصحاب، إلى غير ذلك ممّا ذُكر في محلّه(1)، علمنا بخطأ ما ذكره الأُستاذ علال الفاسي؛ لأنّ الشيخ الطوسي نفسه لا يرى أنّ جميع ما رواه من أخبار في التهذيب أوالاستبصار موافق لدلالة الأصل عنده، ويدلّ عليه طرحه لجملة من الأخبار المروية فيهما مع تصريحه بضعفها؛ لمخالفتها لظاهر القرآن الكريم، أو السُـنّة الثابتة، أو الإجماع، ونحو ذلك من التصريحات الآتية في هذا البحث إن شاء الله تعالى.
على أنّ الحاصل من كلام الشيخ في مقـدّمتَي التهذيـب والاستبصار ـ فضلاً عمّا في أصل الكتابين ـ أنّه قدس سره لا يعمل بالخبر الشاذّ النادر الذي لم يكن معروفاً في الأُصول المعتبرة، كما أنّه لا يعمل بالخبر المخالف لدلالة الأصل، ولا بالخبر الضعيف المعارض بما هو أقوى منه، ولا حتّى بالصحيح الذي هذه صفته أيضاً، وأين هذا من القول بأنّه لم يطرح أيّ حديث مرويّ حتّى ولو كان ظاهر الوضع؟!
ثمّ لا ننسى ما ورد في أصل الكتابين من تصريحات وتطبيقات 
 
 
(1) انظر: ملاذ الأخيار في شرح الاستبصار 1|28 ـ 29. 
 
(99)
تنسف قول الفاسي نسفاً، وتجعله كرماد اشتدّ به الريح في يوم عاصف، وهذا هو ما سنتحدّث عنه في الصفحات اللاحقة ـ إن شاء الله تعالى ـ وتحت عنوان: 
 
(100)
 
الفصل الثالث
وجوه فساد الخبر عند الشيخ الطوسي
لا شكّ أنّ التعرّض لبيان وجوه فساد الخبر عند الشيخ الطوسي قدس سره ، يكشف عن نوعية الحديث المعتمد عنده؛ لأنّ قوله ـ مثلاً ـ بأنّ هذا الخبر مردود لمخالفته إجماع المسلمين، يدلّ بمفهومه على اعتماده على الخبر الموافق لهكذا إجماع.
وعليه، فالفصل الثالث هذا يجمع بين ما جاء في عنوانه، وبين جملة وافرة من احتجاجات الشيخ الطوسي واستدلالاته على الحكم الفقهي بأخبار التهذيب والاستبصار المروية عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن أهل بيته الأئمّة الأطهار عليهم الصلاة والسلام.
وسوف يتّضح ـ إن شاء الله ـ بأنّ الشيخ قدس سره لم يعتمد على الفكر لتبرير ما روي من الأخبار غير الصحيحة، وإنّما اعتمد الفكر ليردّ به عن بصيرةٍ على قول الجهّال من أصحاب الحديث ـ على حدّ تعبيره ـ: «أنّه ينبغي أن يروى الحديث على ما جاء وإن كان مختلّ المعنى!!» معلّلاً ذلك بقوله:
«لأنّ الله تعالى دعا إلى التدبّر والتفقّه، وذلك مناف للتجاهل والتعامي»(1).
وهكذا أصبح الشيخ ـ بفضل اعتماده على الفكر والتدبّر لنصوص الأخبار ـ من أبعد المحدّثين عن الأخبار المزيّفة الموضوعة، وأشدّ الناس 
 
 
(1) التبيان في تفسير القرآن ـ للشيخ الطوسي ـ 9|301. 
 
(101)
نفرةً عنها وتحذيراً منها، وأكثر العلماء حرصاً على تحرّي الصحيح من الأخبار.
وسـوف نتلمّـس هذه الحقيقـة من خـلال ما قاله في كتابيه التهذيب والاستبصار وبعض كتبه الأُخرى، لا سيّما كتاب العدّة في أُصول الفقه، بشأن الأخبار المردودة عنده، وعلى النحو الآتي:
أوّلاً: الأخبار الموضوعة:
الخبر الموضوع هو الخبر المكذوب الذي لا أصل له، ولا خلاف بين المسلمين جميعاً في وجوب طرحه، وعدم اعتماده في شيء ألبتّة، وموقف الشيخ من الخبر المعلوم وضعه هو موقف الأُمناء على الدين، وهو وإن كان معلوماً وواضحاً كالشمس، إلاّ أنّنا سنذكره لسببين:
أحدهما: لإثبات أنّ ما زعمه الأُستاذ الفاسي لا أصل له، مع خـلوّه عن التحقيق، فضلاً عن النزاهة.
والآخر: تعرّض الشيخ لبيان الأُمور التي يعرف من خلالها الخبر المكذوب على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يخفى ما في الأخير من فوائد.
وعلى أيّة حال، فقد قال الشيخ الطوسي قدس سره : «إنّ في الأخبار المرويّة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كذباً، كما إنّ فيها صدقاً، فمن قال: إنّ جميعها صدق، فقد أبعد القول فيه، ومن قال: إنّها كلّها كذب، فكذلك؛ لفقد الدلالة على كِلا القولين، وقد توعّد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على الكذب عليه بقوله: (من كذب علَيَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار)، وتجنّب كثيرٌ من أصحابه الرواية، نحو الزبير، والبراء بن عازب، لمّا تبيّنوا أنّه وقع فيها الكذب، فروي عن البراء أنّه قال: (سمعنا كما سمعوا، لكنّهم رووا ما لم يسمعوا)! وروي عن شعبة 
 
(102)
أنّه قال: (نصف الحديث كذب).
     ولأجل ما قلنا حمل أصحاب الحديث نفوسهم على نقد الحديث، وتمييز الصحيح منها من الفاسد»(1).
     ثمّ بيّن بعد ذلك الطرق التي يعلم بها كذب الخبر في كلام طويل شغل عدّة صفحات، نكتفي ببعضها:
     فمنها: أن يكون مُخبَر الخبر ـ أي المحكوم عليه في الخبر ـ على خلاف ما تناوله الخبر، ومنه يُعلم أنّه كذب.
     ومنها: أن لا ينقل الخبر كما ينبغي مع توفّر الدواعي على نقله، فإذا لم يُنقل كنقل نظيره ولم يكن هناك أيّة موانع من خوف أو تقيّة، عُلم كذبـه. ومنها: أن تكون الحاجة في باب الدِين إلى نقله ماسّة، فإذا لم يُنقل نَقل نظيره مع ارتفاع الموانع حُكم بكذبه.
     ومنها: أن يكون ظاهر الخبر يقتضي الجبر والتشبيه وإن رواه الصحابة، لجواز الغلط عليهم لعدم عصمتهم، وأمّا ما رواه التابعون وغيرهم في ذلك، فلا يمنع من وقوعهم في الكذب.
     ومنها: أن يُعلم بأنّ المحكوم عليه في الخبر لو كان صحيحاً لوجب نقله على وجه تقوم به الحجّة، فإذا لم يتحقّق ذلك كان كذباً.
     ومنها: أن يكون مفاد الخبر مخالفاً لِما عُلم بالضرورة، فإن كان كذلك فيقطع بكذب الخبر.
     ومنها: أن يكون المحكوم عليه في الخبر ممّا لو فتّش عنه من يلزمه 
 
 
(1) العدّة في أُصول الفقه 1|89 ـ 91. 
 
(103)
العمل به لوجب أن يعلمه، فإذا لم تكن هذه حاله علم بكذبه.
     ومنها: أن يكون مخالفاً لدليل العقل ومقتضاه، ولا يمكن حمله على وجه مقبول.
     ومنها: أن يكون مخالفاً للدليل الشرعي الثابت ولا يمكن تأويله بوجه يوافق أدلّة الشرع(1).
     ومنها: أن لا يكون الخبر متضمّناً لشيء من الغلط الفاحش في التاريخ، كما بيّنه الشيخ في تفسيره(2).
     ومنها: أن لا يكون الخبر منافياً لتنزيه الأنبياء عليهم السلام ، وقد نبّه على ذلك في تفسيره أيضاً(3).
     ومنها: أن يكون في الخبر تعليل ضعيف لا يمكن صدوره عن المعصوم عليه السلام ، نظير ما ورد من التعليـل في كون شـهر رمضـان لا يزيـد ولا ينقص عن ثلاثين يوماً، كما نبّه عليه الشيخ في التهذيب(4).
     ومنهـا: أن يحصل اعتراف بالوضـع أو شـبهه، كاعتراف أحمد بن أبي بشر السرّاج بخصوص ما انتصر به لمذهبه في الوقف ومنع الشهادة بالنصّ على الإمام الرضا عليه السلام ، كما نبّه عليه الشيخ في كتاب الغَيبة(5)، ومن هنا احترز الشيخ وغيره من علمائنا المتقدّمين بترك رواية الثقة المنحرف عن المذهب في ما لو انتصر لمذهبه بخبر اختصّ هو بروايته. 
 
 
(1) راجع: العدّة في أُصول الفقه 1|67 و ص 89 ـ 96.
(2) التبيان 9|83 في تفسير الآية 15 من سورة الفتح.
(3) التبيان 7|260 في تفسير الآيات 61 ـ 63 من سورة الأنبياء، وكذلك في 10|268 في تفسير قوله تعالى: \(عبس وتولّى).
(4) تهذيب الأحكام 4|172 ـ 175 ح 485 باب 41.
(5) الغيبة: 66 ـ 67، تهذيب الأحكام 4|172 ـ 175 ح 485 باب 41. 
 
(104)
ومنها: أن يصرّح أحد الرواة مثلاً، بأنّه ما سمع من فلان من الحديث إلاّ مقدار كذا من الأحاديث، ثمّ يروي عنه بعد ذلك كثيراً، وهو ما بيّنه الشيخ الطوسي بحقّ بعض الرواة الّذين صدر عنهم ذلك(1)، وهو يجري مجرى الاعتراف بالوضع.
ومنها: أن يكون الخبر مروياً مِن طريق مَن عُرف بالكذب، أو الوضع واشتهر بذلك.
ومنها: أن يكون الخبر المروي رواه مَن ورد تكذيبه ولعنه وذمّه على لسان الأئمّة عليهم السلام ، وهو ممّا تفرّد بروايته(2)؛ وواضح أنّه لا مانع من الرواية عنه قبل صدور ذلك فيه، أي جواز الرواية عنه قبل انحرافه وفي حال استقامته، كما صرّح بهذا الشيخ في كتاب العـدّة(3).
ومنها: أن لا يكون الخبر المسند إلى شخص المعصوم عليه السلام مخالفاً لِما عُرف من مذهبه وتواتر عنه، ولم تكن ثمّة تقيّة فيه، كما لو ورد التصريح من المعصوم نفسه عليه السلام بأنّه لم يقل مثل ذلك الخبر المكذوب عليه، نظير ما كذبه رواة العامّة على الإمام الصادق عليه السلام بأنّه كان يقول:
إنّي أتولّى أبا بكر وعمر وأترحّم عليهما، ونحو ذلك من الأكاذيب، التي روّجوها على لسان الإمام الصادق عليه السلام ، على الرغم من تصريحه بأنّه عليه السلام لم يقلها، ولم يعرفها، ولم يحدّث بها، ولا سمعها، كما أورد ذلك الشيخ الطوسي في ما انتخبه من رجال الكشّي(4)، ولهذا نظائر كثيرة في مرويات 
 
 
(1) الغَيبة: 69 ح 73.
(2) الغَيبة: 351 ح 311 ـ 313.
(3) العدّة في أُصول الفقه 1|151.
(4) رجال الكشّي 2|692 ـ 699 رقم 741. 
 
(105)
العامّة، لا سيّما في أكاذيبهم برواياتهم عن أمير المؤمنين عليه السلام في تحريم المتعة، ونحو ذلك من الأكاذيب التي عُلم كذبها وانكشف زيفها ودجل رواتها ونفاقهم في ترويج باطلهم.
وهي حتّى مع فرض سلامتها لا تفيدهم في ذلك؛ لصدورها تقيّة كما اختاره الشيخ معقّباً عليه بقوله: «لأنّ العلم حاصل لكلّ من سمع الأخبار أنّ من دين أئمّتنا عليهم السلام إباحة المتعة، فلا يحتاج إلى الإطناب فيه»(1).
ونظير أخبار المتعـة ما وصفوه من أحـاديث على لسـان أميـر المؤمنين عليه السلام بأنّه كان يغسل رجليه فى الوضوء انتصاراً لباطلهم، كما نبّه عليه الشيخ في التهذيب(2).
ثانياً: الأحاديث الضعيفة:
الضعيف لغة: خلاف القوي، قال تعالى: (الله الذي خلقكم من ضعف ثمّ جعل من بعد ضعف قوّة، ثمّ جعل من بعد قوّة ضعفاً وشيبةً...)(3)، والجمع: ضعفاء، وضعاف(4).
ومن هذا المعنى انبثق تعريف الحديث الضعيف في الاصطلاح، إذ يفهم من تعاريفهم له، أنّه ما فقد صفة أو أكثر من صفات القوّة المشخّصة في أدنى مراتب الحديث المعتبر بنفسه في اصطلاح الفريقين. 
 
 
(1) تهذيب الأحكام 7|251 ح 1085 باب 24.
(2) تهذيب الأحكام 1|93 ح 248 باب 4، الاستبصار 1|65 ـ 66 ح 196 باب 37.
(3) سورة الروم 20: 54.
(4) لسان العرب 9|203 مادّة «ضعف». 
 
(106)
ومن هنا عرّفه ابن الصلاح ـ من العامّة ـ بأنّه: «كلّ حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن»(1).
وتابعه على ذلك النووي في التقريب، بقوله: «وهو ما لم يجمع صفة الصحيح أو الحسن»(2)، وهذا ما نجده عند الشريف الجرجاني أيضاً، إذ عرّف الحديث الضعيف بقوله: «هو ما لم يجتمع فيه شرط الصحيح والحسن»(3)، وقد جرى على ذلك الكافيجي(4) والقاسمي(5).
وهذا التعريف ليس دقيقاً، بل اعترض عليه بأنّه يوجب رفع الإيجاب الكلّي بالنسبة إلى شروط الصحيح، وشروط الحسن، ولو أُخذ سلباً واحداً بالنسبة إلى مجموع شروطهما؛ لصدق تعريف الحديث الضعيف على جميع أفراد الصحيح وأفراد الحسن(6).
ولهذا انتقد ابن حجر تعريف ابن الصلاح للحديث الضعيف، بأنّه لو اختصر على نفي صفات الحسن المستلزم لنفي صفات الصحيح وزيادة لكان أَوْلى، فقال: «ولو عبّر بقوله: كلّ حديث لم تجتمع فيه صفات القبول 
 
 
(1) علوم الحديث: 41.
(2) التـقـريـب ـ المـطبـوع مسـتـقـلاًّ ـ: 7، والمطبـوع مـع شـرحه تدريـب الـراوي ـ للسيوطي ـ 1|91.
(3) المختصر في أُصـول الحديث ـ للجرجاني ـ: 47، ورسـالة في أُصـول الحـديث ـ له أيضاً ـ: 77، والديباج المذهّب ـ له أيضاً ـ: 25، والأخير مطبوع مع شرحه بعنوان: شرح الديباج المذهّب للملاّ حنفي التبريزي، وهذه الكتب الثلاثة (المختصر، والرسالة، والديباح) كلّها كتاب واحد على اختلاف مسمّياته؛ إذ لم يختلف أيّ منها عن الآخَرَيْن في شيء يذكر إلاّ في أرقام الصفحات!! فلاحظ.
(4) المختصر في علم الأثر: 117.
(5) قواعد التحديث: 108 رقم 24.
(6) شرح الديباج المذهّب ـ للملاّ حنفي التبريزي ـ: 25. 
 
(107)
لكان أسلم من الاعتراض وأخصر»(1).
وقال السيوطي في شرح عبارة النووي المتقدّمة: «وهو ما لم يجمع صفة الصحيح أو الحسن»: «جمعها تبعاً لابن الصلاح، وإن قيل إنّ الاختصار على الثاني أَوْلى؛ لأنّ ما لم يجمع صفة الحسن، فهو عن صفات الصحيح أبعد، ولذلك لم يذكره ابن دقيق العيد»(2).
كما جاء نظم التعريف في ألفية العراقي خلافاً لِما عليه ابن الصلاح وغيره، هكذا:
     أمّا الضعيف فهو ما لم يبلُغِ   *   مرتبةَ الحسنِ وإن بَسْطُ بُغِي(3) وجاء في فتح المغيث في شرح قول الناظم: «أمّا الضعيف فهو ما لم يبلغ مرتبة الحسن» قول السخاوي: «ولو بفقد صفة من صفاته، ولا احتياج لضمّ الصحيح إليه، فإنّه حيث قصُر عن الحسن، كان عن الصحيح أقصر»(4).
وأمّا الإمامية، فقد عرّفه الشهيد الثاني، بقوله: «وهو ما لا يجتمع فيه شروط أحد الثلاثة المتقدّمة(5)؛ بأن يشتمل طريقه على مجروح بالفسق ونحوه، أو مجهول الحال، أو ما دون ذلك كالوضّاع»(6). 
 
 
(1) النكت على كتاب ابن الصلاح ـ لابن حجر العسقلاني ـ: 169.
(2) تدريب الراوي 1|90.
(3) ألفيّة الحديث: 49 البيت رقم 90.
(4) فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث: 49 ـ 50 ـ مطبوع في نهاية الألفيّة بمجلّد واحد ـ، والطبعة المحقّقة بخمس مجلّدات 1|112 ـ 113.
(5) يعني بالثلاثة: الصحيح، والحسن، والموثّق.
(6) شرح البداية في علم الدراية: 26، والرعاية في علم الدراية: 86، وكلاهما واحـد!! 
 
(108)
وعلى هذا التعريف جرى بعضهم أيضاً(1).
وصدرُ التعريف غير دقيق، إذ يرد عليه ما أُورد على تعريف ابن الصلاح؛ لأنّ ما لا تجتمع فيه شروط أحد الثلاثة ـ وليكن الصحـيح مثـلاً ـ لا يعني أن يكون بالضرورة ضعيفاً، فالحسن، والموثّق، والقوي، كلّها لم تجتمع فيها شروط الصحيح أيضاً؛ ولكن ما ذكر من قيود بعد صدر التعريف كافية في المقام.
ولهذا نرى السيّد حسن الصدر اكتفى بتلك القيود في تعريف الحديث الضعيف، فقال: «وهو ما في سنده مذموم، أو فاسد العقيدة غير منصوص على ثقته، أو مجهول، وإن كان باقي رواته ممدوحين بالعدالة؛ لأنّ الحديث يتبع اعتبار أدنى رجاله...»(2).
ومن كلّ ما تقدّم يعلم صحّة ما ذكرناه آنفاً، بأنّ الحديث الضعيف، هو ما فقد صفة أو أكثر من صفات القوّة المشخَّصة في أدنى مراتب الحديث المعتبر، عند الفريقين.
أنواع الحديث الضعيف وتعاقب درجاته:
للحديث الضعيف أنواع متعدّدة، كالمرسَل، والمنقطع، والمعضّـل، والمدلّس، والمعلّل، والمضطرب، والمقلوب، والشاذّ، والمنكَر، والمتروك، والموقوف، والمضمر، وغيرها كثير، فقد أوصلها ابن حبّان البستي إلى تسعة وأربعين نوعاً، قال العراقي: 
 
 
(1) راجـع: وصول الأخيـار ـ للشيخ حسين بن عبـد الصمد ـ: 98، ومقباس الهداية ـ للمامقاني ـ 1|177 ـ 178.
(2) نهاية الدراية: 266 ـ 267. 
 
(109)
وعدّه البستي في ما أوعى   *   لتسعة وأربعين نوعـا(1)
وسوف نشير إلى موارد بعض أنواع الضعيف التي وقفنا عليها في كتابَي التهذيب والاستبصار في هذا الفصل إن شاء الله تعالى.
ثمّ إنّ الحديث الضعيف تتعاقب درجاته بحسب بعده عن الشروط المقبولة في الحديث(2)، وهذا هو محلّ اتّفاق معظم علماء الدراية عند الفريقين، وعليه فلو روي الحديث الضعيف بأكثر من طريق فسيكون أقوى ممّا لو روي بطريق واحد(3)، كما إنّ الضعيف يسمّى مقبولاً إذا اشتهر العمل به، خصوصاً بين القدماء(4).
وبهذا الصدد أورد القاسمي عن النووي قوله بشأن الأحاديث الضعيفة الواردة في معنىً واحد وبطرق متعدّدة: «فمجموعها يقوّي بعضه بعضاً، ويصير الحديث حسناً يحتجّ به»، ثمّ قال: «وسبقه البيهقي في تقوية الحديث بكثرة الطرق الضعيفة، وظاهر كلام أبي الحسن القطّان يرشد إليه»، ثمّ أورد عن ابن حجر قوله: «بأنّ الضعف الذي ضعفه ناشىَ عن سوء حفظه، إذا كثرت طرقه ارتقى إلى مرتبة الحسن، ـ ثمّ قال: ـ وفي عون الباري نقلاً عن النووي أنّه قال: الحديث الضعيف عند تعدّد الطرق 
 
 
(1) ألفية الحديث: 10 رقم البيت 94.
أقـول: قرأت لابن حجر كلاماً لطيفاً بخصوص هذا البيت، ولا يحضرني مصدره الآن، وهو أنّه قال: لو كان العجز: (مستوعباً خمسين إلاّ نوعا) لكان أحسن أو أَوْلى، ونحو هذا.
(2) شرح البداية: 26، مقباس الهداية: 179، شرح الديباج المذهّب: 25، وقواعد التحديث: 109 رقم 25.
(3) وصول الأخيار: 98.
(4) قوانين الأُصول ـ الميرزا القمّي ـ: 267، نهاية الدراية: 267، وانظر: مستدركات مقباس الهداية ـ للشيخ محمّـد رضا المامقاني ـ 5|141 رقم 49. 
 
(110)
يرتقي عن الضعف إلى الحسن، ويصير مقبولاً معمولاً به»(1).
كما نقل عن ابن تيميّة كلاماً مهمّاً في المقام يقطع الطريق على الوهّابية، لا سيّما الألباني في تضعيفاته الكثيرة المضحكة لجملة من الأحاديث، بأنّه قال: «قد يكون الرجل عندهم ضعيفاً لكثرة الغلط في حديثه، ويكون حديثه الغالب عليه الصحّة، فيروون عنه لأجل الاعتبار به، والاعتضاد به، فإنّ تعدّد الطرق وكثرتها يقوّي بعضها بعضاً حتّى قد يحصل العلم بها ولو كان الناقلون فجّاراً وفسّاقاً... وهذه طريقة أحمد بن حنبل وغيره، لم يرو في مسنده عمّن يعرف أنّه يتعمّد الكذب، لكن يروي عمّن عرف منه الغلط للاعتبار به، والاعتضاد»(2).
ولهذا نرى تصريح علماء العامّة أنفسهم باحتجاج أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد المعتبرة عندهم بالحديث الضعيف، ويكفي في ذلك اعتراضهم بأنّ مذهب النسائي هو أن يخرّج عن كلّ ما لم يجمع على تركه. وإنّ أبا داود كان يأخذ ما أخذه ويخرّج الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، ويرجّحه على الرأي كالقياس والاستحسان(3).
وبالجملة: فإنّ مذاهب الأخذ بالضعيف عند العامّة ثلاثة، وهي:
الأوّل: عدم العمل بالضعيف مطلقاً، وقد عُزي هذا إلى يحيى بن معين، وأبي بكر بن العربي، وهو قول شاذّ لم يعتمد عليه أحد منهم.
الثاني: أنّه يعمل به في الفضائل، قال القاسمي: «وهو المعتمد عند الأئمّة» ثمّ أيّد كلامه هذا بجملة من الأقوال كقول ابن عبـد البرّ المالكي، 
 
 
(1) قواعد التحديث ـ للقاسمي ـ: 109 ـ 110 رقم 26.
(2) قواعد التحديث ـ للقاسمي ـ: 115 رقم 30.
(3) شرح الديباج المذهّب: 25. 
 
(111)
وقول الحاكم النيسابوري، وقول ابن مهدي، وقول أحمد بن حنبل، وغيرهم.
الثالث: أنّه يعمل به مطلقاً، قال القاسمي: «قال السيوطي: وعُزيَ ذلك إلى أبي داود، وأحمـد؛ لأنّهمـا يريان ذلك أقوى من رأي الرجـال»(1).
وجدير بالذكر هنا، أنّ ما اشتهر من قاعدة التسامح في أدلّة السنن عند العامّة: إنّما تعني التساهل إزاء الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة في موارد القصص والمواعظ وفضائل الأعمال، بل وسّع بعضهم القول بحجّيّتها في الأحكام أيضاً، إذ أدخلها في دائرة المستحبّات احتياطاً، ومعنى هذا إسقاط شرائط حجّيّة الخبر في باب المستحبّات، مع أنّ المستحبّات من الأحكام بلا خلاف!!
على أنّ هذه القاعدة وإن عُرفت عند الإمامية أيضاً، إلاّ أنّ أعاظم علماء الأُصول منهم استفرغوا القول في بحثها في الأُصول العملية في بحث البراءة، وقد انتهى البحث عند بعضهم إلى نسف هذه القاعدة كلّياً وعدم الاعتراف بها أصلاً.
هـذا، ومن التنبيهات التي نختتم بها الكلام عن الحديث الضعيف، هو اتّفاق علماء الدراية مـن الفريقـين على أنّ غير المتضلّع بدراية الحديث لا يحقّ له أن يقول إذا رأى حديثاً بإسناد ضعيف: هذا حديث ضعيف، ما لم يقيّده بقوله (بهذا الإسناد)؛ لاحتمال وجود إسناد آخر صحيح للحديث أو أسانيد ضعيفة أُخرى كثيرة تخرجه عن الضعيف وتجعله مقبولاً. 
 
 
(1) انظر المذاهب المذكورة في: قواعد التحديث: 113 رقم 29. 
 
(112)
ولكنّ المؤسف حقّاً هو تسرّع بعضهم في كثير من الأحيان والحكم بوضع الحديث بمجرّد ضعف سنده، وكثير منهم يحكم بذلك لأنّه وجد قولاً لأحد العلماء بشأن ذلك الحديث نفسه بأنّه (لا يصحّ) مع أنّ قولهم عـن أيّ حـديث: (لا يصـحّ) ليس أكـثر مـن إخـبار بعـدم الثبوت، مع أنّه لا يلزم من هكذا إخبار إثبات العدم.
قال الزركشي: «بين قولنا (موضوع) وقولنا (لا يصحّ) بون كثير، فإنّ في الأوّل إثبـات الكذب والاختـلاق، وفي الثاني إخباراً عن عدم الثبوت ولا يلزم فيه إثبات العدم، وهذا يجيء في كلّ حديث قال فيه ابن الجوزي (لا يصحّ، ونحوه)»(1).
وعلى أيّة حال فإنّا سوف نذكر جملة من الأخبار الضعيفة الإسناد التي نبّه الشيـخ الطوسي قدس سره على ضعفها سنداً لضعف أحد رواتها ولم يحتجّ بها في كتابيه التهذيب والاستبصار، وعلى النحو الآتي:
1 ـ ما جاء في الاستبصار في باب المتصيّد يجب عليه التمام أم التقصير: «فهذا خبر ضعيف وراويه السيّاري، وقال أبو جعفر بن بابويه ؛ في فهرسته حين ذكر كتاب النـوادر: استثنى منه مـا رواه السيّاري، وقال: لا أعمل به ولا أُفتي به لضعفه، وما هذا حكمه لا تعترض به الأخبار التي قدّمناها»(2).
2 ـ وفي باب عدّة المتمتّع بها إذا مات عنها زوجها: «فهذا الخبر ضعيف جدّاً؛ لأنّ راويه أحمد بن هلال، وهو ضعيف على ما تقدّم القول 
 
 
(1) قواعد التحديث: 123 رقم 36.
(2) الاستبصار 1|237 ح 846 باب 138. 
 
(113)
فيه»(1)، وقد سبق مثل هذا التضعيف في التهذيب والاستبصار(2).
3 ـ وفي باب ما يحلّ لبني هاشم من الزكاة: «فهذا الخبر لم يروه غير أبي خديجة وإن تكرّر في الكتب، وهو ضعيف عند أصحاب الحديث لِما لا احتياج إلى ذِكره...»(3).
4 ـ وفي أبواب المهور: «فأوّل ما في هذا الخبر أنّه لم يروه غير محمّـد بن سنان، عن المفضّل بن عمر؛ ومحمّـد بن سنان مطعون عليه، ضعيف جدّاً، وما يختصّ بروايته ولا يشاركه فيه غيره لا يعمل عليه»(4).
5 ـ وفي باب في أنّه لا يصحّ الظهار بيمين: «وأمّا الخبر الأوّل، فراويه أبو سعيد الآدمي، وهو ضعيف جدّاً عند نقّاد الأخبار، وقد استثناه أبو جعفر بن بابويه في رجال نوادر الحكمة»(5).
إلى غير هذا من الموارد الأُخـر التـي صرّح الشيخ بضعفها بسبب ضعف أحد رواتها، وسنشير إليها لاحقاً عند التعرّض إلى بيان موقفه من الأخبار المروية في كتبنا وكان في الطريق إليها أحد رواة الفرق الفاسدة أو المذاهب المنحرفة..
على أنّه يجدر التنبيه هنا على أنّ الشيخ الطوسي رضي الله عنه قد احتجّ بروايـات مَن ضـعّفهم في موارد أُخـر من كتابيـه التهذيـب والاستبصـار، ولا يرد عليه إشكال في ذلك كما سنبيّنه إن شاء الله في آخر الفصل بعد عرض جملة من أنواع الحديث الضعيف وغيره ممّا لم يحتجّ به الشيخ 
 
 
(1) الاستبصار 3|351 ح 1253 باب 203.
(2) تهذيب الأحكام 9|204 ح 812 باب 13، والاستبصار 3|28 ح 90 باب 17.
(3) الاستبصار 2|36 ح 110 باب 17.
(4) الاستبصار 3|224 ح 110 باب 138، وهو الثاني من أبواب المهور.
(5) الاستبصار 3|261 ح 935 باب 158. 
 
(114)
الطوسي قدس سره .
ثالثاً: الأخبار الموقوفة:
وهي الأخبار المروية عن مصاحب المعصوم عليه السلام ـ صحابياً كان أو غيره ـ من قول أو فعل، متّصلاً كان أو منفصلاً.
وحكمه عند العامّة مختلف فيه، قال في شرح الديباج: «الموقوف وإن اتّصل سنده ليس بحجّة عند الشافي وطائفة من العلماء، وحجّة عند طائفة»(1).
وقال الجرجاني: «وهو ليس بحجّة على الأصحّ»(2).
وأمّا الشيخ الطوسي فلم يحتجّ بالموقوف مطلقاً، سواء كان الموقوف عليه من الصحابة كما يظهر من تصريحه بجواز الغلط على الصحابة(3)، أو من أصحاب الأئمّة عليهم السلام كما في خبر محمّـد بن عيسى، عن يونس بن عبـد الرحمن موقوفاً عليه، وهو بخصوص ميراث ولد الزنا.
قال الشيخ: «فهذه رواية موقوفة لم يسنـدها يونس إلى أحـد من الأئمّة عليهم السلام ، ويجوز أن يكون ذلك كان اختياره لنفسه لا من جهة الرواية، بل لضرب من الاعتبار، وما هذا حكمه لا يعترض به الأخبار الكثيرة التي قدّمناها»(4)، ونظير هذا ما قاله عن خبر آخر: «فأوّل ما فيه أنّه حديث موقوف غير مسـند إلى أحـد من الأئمّـة عليهم السلام ، ومـا هذا حكمه من الأخبار 
 
 
(1) شرح الديباج المذهّب ـ للملاّ حنفي التبريزي ـ: 35.
(2) المختصر في أُصول الحديث ـ للجرجاني ـ: 53.
(3) العدّة في أُصول الفقه 1|94 ـ 95.
(4) تهذيب الأحكام 9|344 ح 1238 باب 33. 
 
(115)
لايترك لأجله الأخبار المسندة، والحديث الأوّل مسند فالأخذ به أَوْلى»(1).
رابعاً: الأخبار المضمرة:
والمراد بها كلّ خبر يقول فيه أحد أصحاب الأئمّة عليهم السلام : «سألته كذا» فقال: «كذا»، أو «أمرني بكذا»، أو «قال كذا» وما أشبه ذلك. ولم يسمّ المسؤول أو الآمر أو القائل، ولا ذَكر ما يدلّ عليه.
وهذا القسم من الأخبار غير معروف بين العامّة، وكثيراً ما كان يفعله أصحابنا للتقيّة، وهو مضعّف للحديث، لاحتمال أن يكون المسؤول غير الإمام عليه السلام (2).
وأمّا عن موقف الشيخ من الحديث المضمر، فهو يتّضح ممّا قاله في جملة من الموارد؛ نكتفي بذِكر اثنين منها، وهما:
خبر محمّـد بن إسحاق بن عمّار، قال: «قلت له: رجل تزوّج امرأة... إلخ». وهنا عقّب الشيخ عليه بقوله: «.. أنّه ليس فيه ذِكر المقول له؛ لأنّ محمّـد بن إسحاق بن عمّار قال: قلت له. ولم يذكر من هو، ويحتمل أن يكون الذي سأله غير الإمام والذي لا يجب العمل بقوله، وإذا احتمل ذلك سقط الاحتجاج به»(3).
وخبر سماعة بن مهران، فقد أورد له الشيخ خبرين مضطربين أحدهما مضمراً، وقال عنه: «وهذا يحتمل أن يكون المسؤول غير من يجب اتّباع قوله»، ثمّ حكم بردّ الروايتين لاختلاف رواية سماعة فيهما، 
 
 
(1) تهذيب الأحكام 5|416 ح 1447 باب 26.
(2) راجع: وصول الأخيار إلى أُصول الأخبار: 101 ـ 102، ونهاية الدراية: 206.
(3) تهذيب الأحكام 7|275 ح 1170 باب 25. 
 
(116)
نظراً للاضطراب الحاصل فيهما وهو ممّا يضعّف الاحتجاج بهما(1).
خامساً: الأخبار المضطربة:
الاضطراب في اللغة: الاختلاف والاختلال، يقال: اضطرب الحبل بين القوم، إذا اختلفت كلمتهم، واضطرب الأمر، إذا اختلّ(2).
وأمّا في الاصطلاح، فقد عرّفه العامّة كما في التقريب بأنّه: «هو الذي يروى على أوجه مختلفة متقاربة، فإن رجحت إحدى الروايتين بحفظ راويـها، أو كثـرة صحـبة المـروي عنـه، وغـير ذلك، فالحـكم للراجحـة ولا يكون مضطرباً. والاضطراب يوجب ضعف الحديث؛ لإشعاره بعدم الضبط. ويقع في السند تارة، وفي المتن أُخرى، وفيهما من راوٍ أو جماعة»(3).
كما عرفه الشيعة بهذا النحو أيضاً(4).
وجدير بالإشارة هنا، هو أنّ ما قاله النجاشي بحقّ بعض الرواة، من أنّه مضطرب الحديث، أو مضطرب الحديث والمذهب، فهذا لا ينافي الوثاقة. أمّا الاضطراب في المذهب، فعدم منافاته للوثاقه واضحة من تعريفهم للحديث الموثّق، وهو ما كان أحد رواته أو كلّهم من غير الإمامية 
 
 
(1) تهذيب الأحكام 4|15 ح 38 باب 4.
(2) لسان العرب 1|544 مادّة «ضرب»، أقرب الموارد 1|68 مادّة «ضرب».
(3) التقريب ـ للنووي ـ: 18 ـ 19 النوع التاسع عشر، وقريب منه في شرح الديباج المذهّب: 42.
(4) انظر: الرعاية ـ للشهيد الثاني ـ: 146، وصول الأخيار لأُصول الأخبار: 112 ـ 113، مقباس الهداية 1|386، نهاية الدراية: 224. 
 
(117)
مع ثبوت وثاقتهم.
وأمّا اضطراب الراوي في الحديث، فمعناه أنّه يروي ما يُعرف وقد يروي ما ينكر، وعليه فالاضطراب إذا جاء وصفاً للحديث فلا إشكال في ردّه، وإن جاء وصفاً للراوي فلا يعني ردّ جميع أخباره، وإنّما ردّ ما ينكر منها بسبب الاضطراب.
وهذا هو ما تبنّاه السيّد الخوئي قدس سره في معجمه في تراجم بعض الرواة(1)، وهو صحيح مؤيّد باحتجاجات واستدلالات الشيخ الطوسي قدس سره وغيره ببعض روايات مَن وُصفوا بهذا الوصف دون بعض، كروايات معلّى ابن محمّـد البصري مثلاً.
ومنه يظهر عدم صحّة ما ذكره بعض الفضلاء من ضعف ما ذهب إليه السـيّد الخوئي قدس سره مبنىً وبناءً.
وأمّا عن موقف الشيخ من الحديث المضطرب، فقد وردت منه تصريحات كثيرة تدلّ على عدم الاحتجاج به سواء كان الاضطراب في إسناد الحديث أو في متنه، وممّا يدلّ على ردّه مضطرب المتن:
1 ـ ما قاله بشأن روايتَي أبي همّام في بعض أحكام التيمّم، قال: «فهـذان الحـديثان مختلفا اللفظ والراوي واحد، أنّ أبا همّام روى عن الرضا عليه السلام في رواية محمّـد بن علي بن محبوب، وفي رواية محمّـد بن أحمد بن يحيى رواه عن محمّـد بن سعيد بن غزوان، والحكم واحد. وهذا ممّا يضعّف الاحتجاج بالخبر»(2). 
 
 
(1) معجم رجال الحديث 18|258 رقم 12507.
(2) تهذيب الأحكام 1|202 ح 584 باب 8. 
 
(118)
2 ـ ما قاله بشأن بعض الأخبار الواردة في حكم الحيض والاستحاضة والنفاس والطهارة، قال: «ولنا في الكلام على هذه الأخبار طرق؛ أحدها: إنّ هذه الأخبار أخبار آحاد مختلفة الألفاظ، متضادّة المعاني، لا يمكن العمل على جميعها لتضادّها، ولا على بعضها؛ لأنّه ليس بعضها بالعمل عليه أَوْلى من بعض...»(1).
3 ـ ما جاء في باب وقف الزكاة بشأن بعض الأحاديث التي رواها إسحاق بن عمّار، إذ قال الشيخ قدس سره : «فهذه الأحاديث كلّها الأصل فيها إسحاق بن عمّار، وإذا كان الأصل فيها واحدٌ لا يعترض بها على ما قدّمناه من الأحاديث، ومع أنّ الأصل فيها واحداً فقد اختلفت ألفاظه» ثمّ بيّن الاختلاف الوارد في ألفاظ الحديث، وقال: «وهذا الاضطراب فيه يدلّ على أنّه رواه وهو غير قاطع به، وما يجري هذا المجرى لا يجب العمل به»(2).
وأمّا ما يدلّ على ردّه مضطرب الإسناد، فهناك جملة وافرة من تصريحاته بهذا الخصوص، نكتفي منها بما جاء في باب مَن أحلّ الله نكاحه من النساء وحرّم منهنّ في شرع الإسلام، إذ رفض العمل بحديثين من أحاديث الباب، وردّهما معاً، ثمّ أضاف قائلاً: «... وأمّا الحديث الأوّل [فـ] مضطرب الإسناد؛ لأنّ الأصل فيه جميل وحمّاد بن عثمان، وهما تارة يرويانه عن أبي عبـدالله عليه السلام بلا واسطة، وأُخرى يرويانه عن الحلبي عن أبي عبـدالله عليه السلام ، ثمّ إنّ جميلاً يرويه ـ تارة ـ مرسَلاً عن بعض أصحابه عن أحدهما! وهذا الاضطراب في الحديث ممّا يضعّف الاحتجاج به»(3). 
 
 
(1) تهذيب الأحكام 1|178 ح 511 باب 7.
(2) تهذيب الأحكام 4|42 ح 107 باب 1.
(3) تهذيب الأحكام 7|275 ح 1169 باب 25. 
 
(119)
سادساً: الأخبار الغريبة:
الغريب لغةً: الوحيد البعيد عن وطنه. وفي الحديث الشريف: «إنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء»، قال ابن منظور: «أي: أنّه كان في أوّل أمره كالغريب الوحيد الذي لا أهل له عنده؛ لقلّة المسلمين يومئذٍ وسيعود غريباً كما كان»(1).
أقـول:
ومن هوان الدنيا أن يكون أعظم الغرباء وأكثرهم غربة فيها هو خامس أصحاب الكساء وسـيّد الشهداء الإمام أبو عبـدالله الحسـين عليه السلام .
وأمّا الكلام الغريب، فهو الغامض والبعيد عن الفهم والاستعمال.
والغرابة في الاصطلاح على نحوين، إذ تقع تارة في سند الخبر ومتنه، وحينئذٍ يعرف الخبر بأنّه ما تفرّد به راوٍ واحد، وقد تكون الغرابة في إسناده لا متنه، كما لو عرف متن حديث عن جماعة من الصحابة، ولكن انفرد راو واحد بروايته عن صحابي آخر، ومنه قول الترمذي: غريب من هذا الوجه.
ولا يوجد ما هو غريب متناً لا إسناداً بحسب اصطلاح العامّة(2). 
 
 
(1) لسان العرب 1|638 ـ 640 مادّة «غرب».
(2) رسالة في أُصول الحديث ـ للشريف الجـرجاني ـ: 82، والمختصر في علم الأثر ـ للكافيجي ـ: 122، وما ورد في ذيل التعريف لا ينتقض بـ: «غريب الحديث» الذي يُعنى عادة باللفظ الغريب لغة، البعيد عن الاستعمال، فالمقصود بغريب الحديث ليس كالمقصود بالحديث الغريب اصطلاحاً. 
 
(120)
وعرّفه الشـهيد الثاني قدس سره ، بأنّه ما تفرّد به راوٍ واحد في أيّ موضع وقع التفرّد به من السند، وإن تعدّدت الطرق إليه أو منه(1).
وجدير بالإشارة، هو أنّ الحديث الغريب لا يعني أنّه ضعيف مطلقاً، فهناك الصـحيح، وهناك الضـعيف، ومن اصطلاحات الترمذي عند العامّـة: حديث صـحيح غريب، وحديث صـحيح حسن غريب، وأمّا ما يردّ منها فهو الضـعيف، وربّما قد جمـع مع ضـعفه بعض أسـباب الضـعف الأُخر كالشذوذ أو الانقطاع ونحو ذلك.
وأمّا عن موقف الشيخ من الأحاديث الغريبة، فهو لم يحتجّ بها عند التعارض مع الصحيح الثابت، خصوصاً إذا كان التفرّد من جهة عُرفت بضعفها، أو فساد مذهبها، فحينئذٍ لا يعوّل الشيخ على ما تنفرد تلك الجهة بنقله؛ ويدلّ عليه:
قوله عن خبر زرارة في باب بيع الواحد بالاثنين: «وأمّا خبر زرارة، فالطريق إليه علي بن حديد، وهو ضعيف جدّاً لا يعوّل على ما ينفرد بنقله»(2).
وسيأتي ـ إن شاء الله ـ ما له صلة بالحديث الغريب في بيان موقف الشيخ قدس سره من الحديث الموثّق بحسب الاصطلاح.
للبحـث صلـة...
 
 
(1) شرح البداية في علم الدراية : 16، وأنظر : وصول الأخيار لأصول الأخبار : 111، نهاية الدراية : 160 .
(2) تهذيب الأحكام 7|101 ح435 باب 8 . 
 
دوره في الحديث الشريف وعلومه
 
     في جملة من الدراسات الحديثية المعاصرة تجد اتّفاقاً أو شبه اتّفاق على دعم فكرة مغلوطة لا رصيد لها من الواقع ، خلاصتها : أنّ ما يتّصل بتصنيف الحديث وبيان أنواعه الاَساسية وحصرها بالتقسيم الرباعي ـ أو الخماسي بإضافة القوي ـ وتعريفها ؛ لم يكن معلوماً لدى المتقدّمين من أعلام الحديث عند الشيعة الاِمامية ؛ لاَنّهم كانوا يتعاملون مع الخبر على أساس القرينة المحتفّة به ، فإن وجدت فهو ، وإلاّ حكموا بضعف الخبر ، وعلى هذا فهم لا يعرفون من الخبر إلاّ الصحيح والضعيف فقط.
وهو اشتباه محض بما صرّح به الشيخ البهائي والمجلسيان وغيرهم من علمائنا المتأخّرين رحمهم الله بخصوص من باشر التصنيف الجديد للحديث الشريف على أثر ضياع أكثر القرائن المحتفّة بالاَخبار التي كانت معتمَد المتقدّمين.
ونتيجة لشيوع تلك الفكرة المغلوطة ، فقد برزت على أثرها دعاوى الطرف الآخر بتباين المباني العلمية في تاريخ مصطلح الحديث عند الاِمامية 
 
(103)
إلى درجة احتجاج المتقدّمين بالخبر ـ اعتماداً على الفكر ـ وإن كان ضعيفاً أو موضوعاً بحسب الاصطلاح ! !
وهذا من أوهن الكلام وأكثره بُعداً عن النزاهة والتحقيق ، لا سيّما وأنّ أساسه فكرة مغلوطة جدّاً ؛ لاَنّ البحث عن أُصول التضعيف الجديد والتنقيب عن جذوره في تاريخ علوم الحديث الشريف عند الاِمامية يدلّ بما لا يقبل الشكّ مطلقاً على توفّرها في عمل المتقدّمين وإن لم يباشروا تصنيفها بأنفسهم..
فقد صرّحوا ـ كالشيخ الطوسي ـ بالخبر المتواتر ، والصحيح ، والمحتفّ بالقرينة ، وخبر الآحاد ، وذكروا المشهور والمستفيض والمرفوع والموقوف والمنقطع والمقطوع والمضمَر والمضعَّف والغريب والمنفرد والشاذّ النادر ، وفاضلوا بين الاَخبار ، فقالوا : صحيح وأصحّ ، وقوي وأقوى ، كما بيّنوا علل الحديث سنداً ومتناً ، وميّزوا بين خبر العدل الثقة وخبر فاسد المذهب سواء كان ثقة أو غير ثقة ، واحتجّوا بالاَوّل دون الثاني ، وغير ذلك من الاَُمور الكثيرة الاَُخرى ذات الصلة الوطيدة بمصطلح الحديث بما يدلّ بوضوح على عدم وجود فرق جوهري كبير فيه بينهم وبين التصنيف الجديد الذي تزعّمته المدرسة الحلّيّة في عهد ابن إدريس ثمّ السيّد أحمد ابن طاووس وأخيراً العلاّمة الحلّي.
نعم ، لم يكن هناك فرق كبير بينهما في مصطلح الحديث إلاّ في حدود صياغة المصطلح وما يحتاجه من شروط وقيود لوجود فترة في البين أوجبت على روّاد التصنيف الجديد الاحتراز ، ممّا خلّفته تلك الفترة من آثار سلبية في تقييم خبر الآحاد بعد ضياع أكثر كتب الحديث والرجال والفهرسة. 
 
(104)
ولاَجل تفادي تلك الاَخطار الجسيمة على مستقبل دراية الحديث رجعوا إلى أُصول الحديث ودواوينه ونظروا إلى فعل المتقدّمين وطريقتهم واستقوا من الكـلّ بنـود التقسـيم الجـديد مع زيـادة في التقنين وبحـسب ما اقتضته الضرورة حينئذٍ.
ولعلّ في ما تقدّم من حلقات سابقة في بيان دور الشيخ الطوسي في الحديث الشريف وعلومه يكفي في البرهنة على اضطلاع الشيخ الطوسي بأقسام الحديث وأنواعه ومراتبه بصورة لا تقلّ عمّا هي عليه عند المتأخّرين ، خصوصاً في ما ذكرناه في سياق البحث عن وجوه فساد الخبر بنظر الشيخ الطوسي ، وهذه تتمّتها :
سابعاً : الاَخبار المرسَلة والمنقطعة :
المراد بالمرسَل والمنقطع من الاَخبار ـ بالمعنى الاَعمّ ـ هو ما لم يتّصل إسناده إلى المعصوم عليه السلام على أيّ وجه كان ، وهناك اختلاف واسع جدّاً بين جميع المذاهب الاِسلامية في مسألة الاحتجاج بهذا القسم من الاَخبار ، ولم يعدم الاختلاف حتّى في إطار علماء المذهب الواحد ، وترجع جميع اختلافاتهم إلى ثلاثة أقوال ، وهي : القبول مطلقاً ، والرفض مطلقاً ، والتفصيل.
وأمّا عن موقف الشيخ من الحديث المرسَل والمنقطع ، فقد فصّله بكتابه العدّة في أُصول الفقه ، وما يستفاد ممّا ذكره هناك حول الاحتجاج
بالمرسَل إنّما هو في ظروف خاصّة معيّنة لا تختلف كثيراً عن المرسَل المحتجّ به من لدن علماء المذاهب الاَربعة : المالكية ، والحنفية ، والشافعية ، والحنابلة ؛ وأهمّها أن لا يكون غريباً أو شاذّاً ، أو معارِضاً للمسند الصحيح ، 
 
(105)
ونحو ذلك من الشروط الكاشفة عن وجود مخرج صحيح آخر للحديث.
     والخلاصة : إنّه يعتمد القول الثالث ، وهو : التفصيل ، وقد بيّـنّا ذلك في بحث مقارن(1).
وسوف نذكر بعض الموارد التي لم يحتجّ بها وردّها صراحةً بسبب الاِرسـال أو الانقطـاع المخـلّ بشـروط الاحتجـاج ؛ لكي يعلم ـ زيادة على ما مرّ ـ فساد ما قيل بأنّه لم يطرح خبراً في كتابيه التهذيب و الاستبصار ولو كان ظاهر الوضع ! ! ومن تلك الموارد :
     1 ـ قوله عن خبرين في باب السُـنّة في عقود النكاح : « هذان الخبران لا يقابل بهما الاَخبار الكثيرة التي قدّمناها ، على أنّهما مع كونهما شاذّين منقطعَي الاِسناد مرسَلين ، وما هذا حكمه لا يُعترض به الاَحاديث المسندة... »(2).
     2 ـ قوله في باب الشهداء وأحكامهم : « وهذا الخبر على شذوذه ، ضعيف الاِسناد مرسَل ، وما يجري هذا المجرى لا يُعترض به الاَخبار المسندة ، على أنّ هذا الخبر طريقه رجال العامّة وفيهم من يذهب إلى هذا المذهب ، وما هذا حكمه لا يجب العمل به ؛ لاَنّه يجوز أن يكون ورد للتقيّـة »(3).
ونظير هذا ما قاله عن خبر آخر في باب البيّنات(4).
     3 ـ وقال عن خبر رواه الحسن بن سماعة ، عن سليمان بن داود أو 
 
 
(1) انظر : الحديث المرسَل بين الردّ والقبول ـ لنـا ـ ، بحث نشر في مجلّة « تراثنا » العددان الثالث والرابع (50 ـ 51) ، السنة الثالثة عشرة 1418 هـ.
(2) تهذيب الاَحكام 7|416 ح 1665 باب 36.
(3) تهذيب الاَحكام 6|168 ح 322 باب 78.
(4) تهذيب الاَحكام 6|254 ح 661 باب 91. 
 
(106)
بعض أصحابنا... : « فهذا خبر مقطوع مشكوك في روايته ، فلا يجوز العدول إليه عن الخبرين المتقدّمين »(1).
     4 ـ وقال عن خبر رواه أحمد بن محمّـد في تفصيل أحكام النكاح : « فهذا حديث مقطوع الاِسناد شاذّ »(2).
     5 ـ وقال عن خبر نوح بن شعيب ، عمّن رواه ، عن عبيـد بن زرارة : « فهذا خبر مرسَل لا يُعارض به ما قدّمناه من الاَخبار »(3).
     6 ـ وأورد خبرين وكلاهما من رواية جعفر بن بشير ، وقال بعد الثاني مباشرة : « فأوّل ما فيه : أنّه خبر مرسَل منقطع الاِسناد ؛ لاَنّ جعفر بن بشير في الرواية الاَُولى قال : (عمّن رواه) ، وهذا مجهول يجب اطّراحه. وفي الرواية الثانية قال : (عن عبـدالله بن سنان ، أو غيره) فأورده وهو شاكّ فيه ، وما يجري هذا المجرى لا يجب العمل به »(4).
     7 ـ وقال معقّباً على خبر نشيط بن صالح في باب الاَحداث الموجبة للطهارة : « فهذا أوّلاً خبر مرسَل ؛ لاَنّ نشيط قال : (عن بعض أصحابنا) ، ومع هذا قد روى الخبر الاَوّل مسنداً بخلاف ما تضمّنه هذا الخبر »(5).
     8 ـ وقال عن خبر ابن أبي نجران في باب الاَغسال المفترضات والمسـنونـات : « فمـا تضمّـن هـذا الحـديـث مـن أنّ غسـل الميّـت سُـنّـة لا يعترض ما قلناه بوجوه : 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 9|165 ح 674 باب 5.
(2) تهذيب الاَحكام 7|253 ح 1089 باب 24.
(3) تهذيب الاَحكام 1|124 ح 332 باب 6.
(4) تهذيب الاَحكام 1|196 ح 568 باب 8.
(5) تهذيب الاَحكام 1|35 ح 94 باب 3. 
 
(107)
أحدها : إنّ هذا الخبر مرسَل ؛ لاَنّ ابن أبي نجران قال : (عن رجل) ، ولم يذكره ، ويجوز أن يكون غير مأمون ولا موثوق به »(1).
     9 ـ وقال عن خبر ابن المغيرة في كون الكُرّ ستّمائة رطل : « فأوّل ما فيه أنّه مرسَل غير مسند ، ومع ذلك مضادّ للاَحاديث التي رويناها ، ومع هذا لم يعمل عليه أحد من فقهائنا »(2).
     10 ـ ما قـاله فـي الاستبصـار فـي عـدّة مـوارد لـم يجـوّز العـمل بهـا للسـبب المـذكور ، نظيـر قـوله : « فـأوّل مـا في هذا الخبر أنّه مرسَل »(3).
وقوله : « فأوّل ما في هذا الخبر أنّه مرسَل ، وراويه ضعيف ، وهو علي بن حديد ، وهذا يضعّف الاحتجاج بخبره »(4).
وقوله : « فهذا خبر مرسَل لا يُعارض به ما قدّمناه من الاَخبار »(5).
وقوله : « فأمّا ما رواه ابن أبي عمير ، عن بعض أصحابنا... فأوّل ما فيه أنّه مرسَل ، وما هذا سبيله لا يُعترض به على الاَخبار المسندة »(6).  وقوله : « فهذان الخبران مرسَلان ، ومع كونهما كذلك فقد أجمعت الطائفة على خلاف العمل بهما »(7).  وقوله : « الخبر الاَوّل من هذين الخبرين مرسَل ، والمراسيل لا 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 1|109 ح 285 باب 5.
(2) تهذيب الاَحكام 1|43 ح 119 باب 3.
(3) الاستبصار 1|7 ح 6 باب 1.
(4) الاستبصار 1|40 ح 112 باب 21.
(5) الاستبصار 1|107 ح 353 باب 63.
(6) الاستبصار 4|27 ح 87 باب 14.
(7) الاستبصار 4|166 ح 627 باب 98. 
 
(108)
يُعترض بها على الاَخبار المسندة »(1).
وقوله : « فهذا الخبر مقطوع الاِسناد مرسَل ، ولا يُعترض بما هذا سبيله على الاَخبار المسندة »(2).
وقوله : « فهذا الخبر مقطوع مرسَل ، وما هذا حكمه لا يُعترض به على الاَخبار المسندة الصحيحة الطرق »(3).
وقوله : « فهذا الخبر مرسَل لا يُعترض بمثله على الاَخبار المسندة »(4).
ثامناً : الاَخبار الشاذّة :
الشذوذ لغة : الانفراد ، يقال : شذَّ يشُِذّ ـ بالضمّ والكسر ـ شذوذاً ، أي : انفرد عن غيره(5).
وفي اصطلاح الاِمامية : هو ما خالف المشهور ، سواء كان راويه ثقة أو لم يكن ، وقد يطلق على ما لم يعمل العلماء بمضمونه وإن صحّ سنده ولم يعارضه غيره(6) ، وقد عُدّ عند بعضهم كالنادر ، بل قيل بترادف الشاذّ 
 
 
(1) الاستبصار 3|76 ح 253 باب 47.
(2) الاستبصار 3|143 ح 515 باب 93 ، ونظير قوله هذا في 3|261 ح 935 باب 158 من الاستبصار.
(3) الاستبصار 3|202 ح 730 باب 126.
(4) الاستبصار 3|257 ح 922 باب 157 ، ونلفت النظر إلى أنّ ما ذكرناه عن « التهذيب » من الاَخبار المرسَلة والمنقطعة تكرّر بعضها في « الاستبصار » ولكن مع اختلاف العبارة في نقدها.
(5) المصباح المنير ـ للفيّومي ـ 1|307 مادّة « شذّ ».
(6) وصول الاَخيار : 109 و 110 ، ومقباس الهداية 1|255 ـ 253 ، ونهاية الدراية : 220 ، وعبارة : « سواء كان راويه ثقة أو لم يكن » غير مستفادة من تعاريفهم ، بل من عملهم ، لا سيّما عمل الشيخ في « التهذيب » و « الاستبصار ». 
 
(109)
النادر (1) .
وربّما يستظهر ذلك من قول الشيخ المفيد قدس سره في « جوابات أهل الموصل في مسألة العدد والرؤية » ؛ إذ قال : « وأمّا ما تعلّق به أصحاب العدد في أنّ شهر رمضان لا يكون أقلّ من ثلاثين يوماً ، فهي أحاديث شاذّة ، قد طعن نقّاد الآثار من الشيعة في سندها ، وهي مثبتة في كتب الصيام في أبواب النوادر ، والنوادر هي التي لا عمل عليها ، وأنا أذكر جملة ما جاءت به الاَحاديث الشاذّة وأُبيّن خللها ، وفساد التعلّق بها في خلاف الكافّة إن شاء الله.. فمن ذلك حديث رواه محمّـد بن الحسين بن أبي الخطّاب ، عن محمّـد بن سنان... وهذا الحديث شاذّ نادر غير معتمَد عليه ، طريقه محمّـد بن سنان وهو مطعون فيه... »(2).
ومن قول الشيخ الطوسي بشأن جملة من الاَخبار بأنّها : شاذّة نادرة ، كما سيأتي..
وهذا غير صحيح ؛ لاَنّ النادر أعمّ من الشاذّ ، فكما قد يكون النادر شاذّاً ، فقد يكون صحيحاً معتبراً خالياً من أدنى شذوذ أو علّة ، وكثير من أخبار النوادر محتجّ بها في الفقه ، كما هو واضح جدّاً من عمل الصدوق في الفقيه الذي جعل أخباره حجّة ، وحكم بصحّتها في أوّل الكتاب ، ولو كانت النوادر هي التي لا عمل عليها لَما وجدنا في الفقيه سبعة عشر باباً بعنوان (النوادر) ، ويكفي أنّ في الكافي أكثر من خمسين باباً باسم 
 
 
(1) كما هو الحال في المصادر المذكورة في الهامش السابق.
(2) جوابات أهل الموصل في العدد والرؤية ـ للشيخ المفيد ـ مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلّفات الشيخ المفيد 9|19 ـ 20. 
 
(110)
(النـوادر) ، وكثير جدّاً من أخبارها صحيح بحسب الاصطلاح ، مع دخول جملة وافرة منها في احتجاجات الشيخ الطوسي في التهذيب والاستبصار ، ولهذا استظهر التقي المجلسي بأنّ النوادر في الفقيه هي الاَخبار المتفرّقة التي يشكل جعل كلّ خبر منها باباً على حدة(1) ، ويؤيّده ما وصل إلينا من كتب بعنوان (النوادر) ، ككتاب « نوادر أحمد بن محمّـد بن عيسى » ؛ الذي لم يصنّف على الاَبواب.
هذا ، وأمّا الشاذّ عند العامّة ، فمختلف في حدّه وحكمه.
فقد عرّفه الشافعي بأنّه : « ما رواه الثقة مخالفاً لِما رواه الناس »(2) ، ولم يشـترط الحـاكم النيسـابوري الخـلاف ، واكـتفى بعـدم وجود المتابـع لا غير(3) ، وأطلقه الخليلي على الخبر المنفرد(4) ، بينما فصّل ابن الصلاح القول في تعريف الشاذّ وبيان حكمه ، مقسّماً الخبر الشاذّ على قسمين ، أحدهما : الشاذّ المردود ، والآخر : الشاذّ المقبول كما هو الحال عندهم في شواذّ الصحيحَين(5).
وقد جعل الخطيب البغدادي الشاذَّ منكَراً(6) ، وربّما أُطلق عليه ذلك 
 
 
(1) روضة المتّقين ـ للمجلسي الاَوّل ـ 3|463.
(2) تعريف الشافعي للشاذّ منقول في معرفة علوم الحديث ـ للحاكم ـ : 119 ، وعلوم الحديث ـ لابن الصلاح ـ : 76 ، وألفيّـة الحديث ـ للعـراقي ـ : 85 ، وفتح المغيـث ـ للسخاوي ـ 1|230 ، وشرح نخبة الفكر ـ لعلي القاري ـ : 253 ، وتدريب الراوي ـ للسيوطي ـ 1|123 ـ 124.
(3) معرفة علوم الحديث ـ للحاكم النيسابوري ـ : 119.
(4) نُقل قول الخليلي في تعريف الشاذّ في المصادر المذكورة قبل هامش واحد وبأرقام الصفحات المبيّنة إزاؤها.
(5) علوم الحديث ـ لابن الصلاح ـ : 77.
(6) الكفاية في علم الرواية ـ للخطيب البغدادي ـ : 429. 
 
(111)
عند الفريقين.
وأمّا عن موقف الشيخ الطوسي من الاَخبار الشاذّة ـ المتعارضة مع دلالة الاَصل عنده ـ فهو الردّ مطلقاً سواء كان راويها ثقة أو غير ثقة ، ما لم يكن تأويلها بما يوافق تلك الدلالة ـ ولو بوجه من الوجوه ـ ممكناً ، وأمّا في صورة عدم التعارض مع كون الراوي ثقة ، فلا شكّ في قبول خبره عند الشيخ ، بل هو المصرّح به في جميع كتب الدراية عند العامّة ، ولم يخـالف في ذلك إلاّ الحـاكم(1) والخليـلي في ما نصّ عليه ابن الصـلاح(2).
وسوف نذكر ما وقفنا عليه من تصريحات الشيخ الطوسي في التهذيب و الاستبصار بخصوص طرح الشاذّ المخالف لِما هو أصحّ وأقوى منه ، وكذلك المخالف للاِجماع أو لظاهر الكتاب العزيز ونحو هذا ، بغضّ النظر عمّا ذكره من تأويلات سديدة حاول من خلالها الجمع بينها وبين الاَخبار الصحيحة ، كما مرّ سابقاً في تيسير سبل التأويل ، ومن تلك التصريحات :
     1 ـ قوله في باب من أقرّ بولد ثمّ نفاه من الاستبصار : « وهذا الخبر شاذّ لا يُعترض بمثله على ما قلناه »(3).
     2 ـ وفي التهـذيب في بـاب الحـدّ في السُـكر : « فهـذا خبـر شـاذّ لا يُعارض به الاَخبار المتواترة في تناول شارب الخمر واستحقاقه ثمانين جلدة.. »(4). 
 
 
(1) معرفة علوم الحديث ـ للحاكم النيسابوري ـ : 119.
(2) علوم الحديث ـ لابن الصلاح ـ : 78.
(3) الاستبصار 4|233 ح 878 باب 134.
(4) تهذيب الاَحكام 10|92 ح 357 باب 7. 
 
(112)
     3 ـ وفيه أيضاً في باب الصلاة في السفر : « فهذا خبر شاذّ لا نعمل عليه.. »(1).
     4 ـ وفي الاستبصار في باب البئر يقع فيها الكلب والخنزير وما أشبههما : « هذا الخبر شاذّ ، وما قدّمناه مطابق للاَخبار كلّها »(2).
     5 ـ وفي باب من طلّق امرأته ثلاث تطليقات : « فأوّل ما في هذه الرواية أنّها شاذّة مخالفة لاَخبار كثيرة قدّمناها ، وما هذا حكمه لا يُعترض بمثله الاَخبار الكثيرة... »(3).
     6 ـ وفي باب ميراث ولد الزنا : « فهذه رواية شاذّة مخالفة للاَخبار الكثيرة التي قدّمناها ، ومع هذا فهي موقوفة غير مسندة ؛ لاَنّ يونس لم يسندها إلى أحد من الاَئمّة عليهم السلام ، ويجوز أن يكون ذلك مذهباً كان اختاره لنفسه كما اختار مذاهب كثيرة علمنا بطلانها »(4).
     7 ـ وفي باب ميراث من لا وارث له من ذوي الاَرحام والموالي : « فهاتان الروايتان مرسَلتان شاذّتان ، وما هذا حكمه لا يُعارض به الاَخبار المسندة المجمع على صحّتها.. »(5).
     8 ـ وفي التهذيب في باب الحدّ في السُكر : « فهذا الخبر شاذّ نادر ، لا يجوز العمل عليه لمنافاته للاَخبار كلّها... »(6).
     9 ـ وفي باب حكم الساهي والغالط في الصيام : « فهذا حديث شاذّ 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 3|235 ح 618 باب 23.
(2) الاستبصار 1|38 ح 105 باب 20.
(3) الاستبصار 3|289 ح 1021 باب 169.
(4) الاستبصار 4|183 ح 689 باب 105.
(5) الاستبصار 4|196 ح 736 باب 113.
(6) تهذيب الاَحكام 10|96 ح 372 باب 7. 
 
(113)
نادر ومخالف لفتيا مشايخنا كلّهم ، ولعلّ الراوي وهم في قوله في آخر الخبر... »(1).
     10 ـ وفي باب من أحلّ الله نكاحه من النساء... : « فأوّل ما في هذا الخبر أنّه شاذّ نادر ، ولم يروه غير بيّاع الاَنماط وإن تكرّر في الكتب ، وما يجري هذا المجرى في الشذوذ يجب اطّراحه ولا يُعترض به على الاَحاديث الكثيرة. ثمّ إنّه قد روى ما ينتقض هذه الرواية ويوافق ما قدّمناه ، فإذا كان الاَمر على ما ذكرناه وجب الاَخذ بروايته التي توافق الروايات الاَُخر ، ويُعدَل عن الرواية التي تفرّد بها ؛ لاَنّه يجوز أن يكون ذلك وهمـاً »(2).
     11 ـ وفي الاستبصار في باب الصلاة في الخزّ المغشوش : « فهذا خبر شاذّ لم يروه إلاّ داود الصرمي وإن تكرّر في الكتب بأسانيد مختلفة... »(3).
     12 ـ ومنـه أيضـاً فـي بـاب الرجل يموت وهو جنب : « هذه الروايات أوّل ما فيها : أنّ الاَصل فيها كلّها عيص بن القاسم ، وهو واحد ، ولا يجوز أن يعارض الواحد جماعة كثيرة ، لِما بيّـنّاه في غير موضع... »(4).
وأوردها في باب تلقين المحتضرين من التهذيب وطعن بها كطعنه 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 4|272 ـ 273 ح 825 باب 64.
(2) تهذيب الاَحكام 7|278 ـ 279 ح 1182 باب 25 ، والاستبصار 3|161 ح 585 باب 105.
(3) الاستبصار 1|387 ح 1471 باب 226.
(4) الاستبصار 1|195 ح 684 باب 115. 
 
(114)
بها في الاستبصار(1).
     13 ـ وفي باب حكم المرأة إذا قتلت رجلاً : « فهذه الرواية شاذّة لم يروها إلاّ أبو مريم الاَنصاري وإن تكرّرت في الكتب في مواضع متفرّقة ، ومع ذلك فإنّها مخالفة لظاهر الكتاب... فإذا وردت هذه الرواية مخالفة لذلك ينبغي أن لا يلتفت إليها ولا العمل بها »(2).
وقد سبق له وأن أوردها في « التهذيب » في باب القود بين الرجال والنساء... وطعن بها أيضاً مؤكّداً وجوب ترك العمل بها(3).
     14 ـ وفي باب المملوك يقذف حرّاً : « فهذا خبر شاذّ مخالف لظاهر القـرآن والاَخبـار الكثيـرة التـي قدّمنـاها ، ومـا هـذا حكـمه لا يُعمـل به ، ولا يُعترض بمثله »(4).
     15 ـ وفي التهذيب في باب من أحلّ الله نكاحه من النساء : « فهذان الخبران قد وردا شاذّين مخالفين لظاهر كتاب الله. وكلّ حديث ورد هذا المورد فإنّه لا يجوز العمل عليه ، لاَنّه روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعن الاَئمّة عليهم السلام ، أنّهم قالوا : إذا جاءكم منّا حديث فاعرضوه على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالفه فاطرحوه ، أو ردّوه إلينا. وهذان الخبران مخالفان ـ على ما ترى ـ لظاهر كتاب الله والاَخبار المسندة أيضاً المفصّلة ، وما هذا حكمه لا يجوز العمل به... »(5).
وأوردهما في الاستبصار في باب إذا عقد الرجل على امرأة حرمت 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 1|433 ح 1388 باب 23.
(2) الاستبصار 4|233 ح 878 باب 134.
(3) تهذيب الاَحكام 10|183 ح 717 باب 14.
(4) الاستبصار 4|229 ح 861 باب 131.
(5) تهذيب الاَحكام 7|275 ح 861 باب 25. 
 
(115)
عليه أُمّها ، وطعنهما أيضاً(1).
     16 ـ وفي الاستبصار في باب من لم يجد الهدي وأراد الصوم : « فهذان الخبران وردا شاذّين مخالفين لسائر الاَخبار ، ولا يجوز المصير إليهما والعدول عن الاَحاديث الكثيرة إلاّ بطريق يقطع العذر... »(2).
     17 ـ وفي باب المسنون من الصلاة في اليوم والليلة ، ردّ بعض الاَخبار الشاذّة ، وكان الاَصل فيها كلّها زرارة ، فقال : « وأمّا عدا هذين الخبرين من الاَخبار التي تتضمّن نقصان الخمسين ركعة ، فالاَصل فيها كلّها زرارة ، وإن تكرّرت بأسانيد مختلفة ، وقد استوفينا ما يتعلّق بهذا الباب في كتاب تهذيب الاَحكام وبيّـنّا الوجه فيه ، فمن أراد الوقوف على جميعها ، يرجع إليه »(3).
     18 ـ وفي باب ما يجوز الانتفاع به من الميتة : « فهذه رواية شاذّة راويها وهب بن وهب وهو ضعيف على ما بيّـنّاه في ما مضى... »(4).
أقـول :
بيّن الشيخ قدس سره ضعف وهب بن وهب في « الاستبصار » في باب من أراد الاستنجاء وفي يده اليسرى خاتم عليه اسم من أسماء الله تعالى(5) ، كما ضعّفه قبل ذلك في التهذيب بموردين وهما كما في 
 
 
(1) الاستبصار 3|158 ح 574 باب 103.
(2) الاستبصار 2|277 ح 987 باب 191.
(3) الاستبصار 1|220 ح 777 باب 130.
(4) الاستبصار 4|89 ح 340 باب 54.
(5) الاستبصار 1|48 ح 134 باب 27. 
 
(116)
الاسـتبصار(1).
     19 ـ وفي باب حكم من أمذى وهو صائم : « فهذا خبر شاذّ مخالف لفتيا أصحابنا ، ويوشك أن يكون وهماً من الراوي... »(2).
     20 ـ وفي باب ما يجب على من أفطر : « فهذا الخبر ورد شاذّاً نادراً... »(3).
     21 ـ وفي التهذيب في باب المياه وأحكامها : « فهذا الخبر شاذّ شديد الشذوذ وإن تكرّر في الكتب والاَُصول ، فإنّما أصله يونس ، عن أبي الحسـن عليه السلام . ولم يروه غيره. وقد أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره ، وما يكون هذا حكمه لا يُعمل به »(4).
     22 ـ وفي باب ما يحلّ لبني هاشم ويحرم من الزكاة : « فالاَصل في هذا الخبر أبو خديجة ، وإن تكرّر في الكتب ، ولم يروه غيره... »(5).
     23 ـ وفي الاستبصار في باب من دخل في الصلاة بتيمّم ثمّ وجد الماء ، قال عن ثلاث روايات : « فالاَصل في هذه الروايات الثلاثة واحد وهو عبـدالله بن عاصم... »(6).
     24 ـ وفي التهذيب في باب علامة أوّل شهر رمضان وآخره ودليل دخوله : « وهذا الخبر لا يصحّ العمل به من وجوه ، أحدها : أنّ متن هذا 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 1|32 ح 83 باب آداب الاَحداث الموجبة للطهارة (3) ، و ج 9|77 ح 325 باب في الذبائح والاَطعمة (2).
(2) الاستبصار 2|83 ح 255 باب 40.
(3) الاستبصار 2|121 ح 393 باب 66.
(4) تهذيب الاَحكام 1|219 ح 628 باب 10.
(5) تهذيب الاَحكام 4|60 ح 161 باب 15.
(6) الاستبصار 1|167 ح 578 باب 100. 
 
(117)
الحديث لا يوجد في شيء من الاَُصول المصنّفة وإنّما هو موجود في الشواذّ من الاَخبار... »(1) ومثله في « الاستبصار »(2).
     25 ـ وفي الاستبصار في باب المصلّي يصلّي وفي قبلته نار : « فهذه رواية شاذّة مقطوعة الاِسناد... »(3).
تاسعاً : أخبار رواة الفرق البائدة والمذاهب المخالفة :
وقـع فـي العـديد من طـرق الاَحـاديث المرويـة فـي الـكتب الاَربعـة ـ الكافي والفقيه والتهذيبين ـ وغيرها من كتب الاِمامية بعض رواة الفرق المنحرفة البائدة ، كرواة الناووسية والفطحية والواقفية وغيرهم ، كما وقع فيها أيضاً جملة من رواة المذاهب العامّية والزيدية والاِسماعيلية.. ومنه يعلم بأنّ الحديث الاِمامي لم يكن ـ تبعاً لرواته ـ أُحادي المذهب ، وإنّما هو في الواقع أعمّ من ذلك نظراً لِما اتّسم به من روح الانفتاح على ما عند الاَطراف الاَُخرى من حديث أهل البيت عليهم السلام.
نعم ، تجنّب الاِمامية رواية الوضّاعين والزنادقة ، كما ابتعدوا جدّاً عن روايات المنافقين من الصحابة والتابعين وغيرهم ، وضربوا عرض الحائط كلّ ما يرويه الخوارج والنواصب ولم يكترثوا به مطلقاً ؛ لالتفاتهم إلى حقيقة هذه الاَصناف وقيمة رواياتها بميزان الشرع ومنطق العلم والعقل ، وعلمهم الاَكيد بأنّ الشريعة الغرّاء الماثلة في الحديث الشريف لا تؤخذ من أعداء قادة الشريعة وحماتها ، ولم يغترّوا بمن وثّقهم وبجّلهم ونعتهم بالصـدق ، 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 4|169 ح 482 باب 41.
(2) الاستبصار 2|66 ح 17 باب 33.
(3) الاستبصار 1|396 ح 1512 باب 237. 
 
(118)
بل نظروا إلى إطراء النواصب ونظائرهم بكلّ ازدراء ، وبرهنوا على أنّه غثاء كغثاء السيل لا يمكث على محكّ النقد إلاّ قليلاً.
وعلى هذا تكون الصفة التي انفردت بها كتب الحديث الاِمامية عن سائر كتب الحديث الاَُخرى : عقيدة أصحابها ، بأنّ أجدر نقطة ينبغي الالتفات إليها في تاريخ رواية الحديث وتدوينه ؛ أن لا يكون في الطريق إليه عدوّ لله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ببغضه العترة الطاهرة عليهم السلام.
وما يعنينا هنا هو بيان موقف الشيخ الطوسي قدس سره من الاَحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام ، وأوردها في أحد التهذيبين أو كلاهما وكان الطريق إليها محضاً أو مشوباً بالمخالف.
فنقـول : فصّل الشيخ الطوسي موقفه النظري إزاء خبر المخالف في كتابه العدّة في أُصول الفقه ، وطبّق ذلك الموقف عملياً في كتابيه التهذيب والاسـتبصار.
أمّا الموقف النظري فيكشفه قوله :
« ... فأمّا إذا كان مخالفاً في الاعتقاد لاَصل المذهب ، وروى مع ذلك عن الاَئمّة عليهم السلام نُظِر في ما يرويه ، فإنّ كان هناك من طرق الموثوق بهم ما يخالفه وجب اطّراح خبره. وإن لم يكن هناك ما يوجب اطّراح خبره ، ويكون هناك ما يوافقه وجب العمل به ، وإن لم يكن من الفرقة المحقّة خبر يوافق ذلك ولا يخالفه ولا يعرف لهم قول فيه وجب أيضاً العمل به ؛ لِما روي عن الصـادق عليه السلام أنّه قال : إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها في ما رووا عنّا ، فانظروا إلى ما رووا عن عليٍّ عليه السلام فاعملوا به.
ولاَجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث ، وغياث بن 
 
(119)
كلوب ، ونوح بن درّاج ، والسكوني ، وغيرهم من العامّة عن أئمّتنا عليهم السلام في ما لم ينكروه ولم يكن عندهم خلافه.
وإذا كـان الراوي من فرق الشيعة ، مثل : الفطحية والواقفية والناووسية وغيرهم ، نُظِر في ما يرويه ، فـإن كان هناك قرينة تعضـده ، أو خبر آخر من جهة الموثـوقين بهم ، وجب العمـل بـه. وإن كان هناك خبر آخـر يخالفه من طريق الموثوقين ، وجب اطّراح ما اختصّوا بروايته ، والعمل بما رواه الثقة.
وإن كان ما رووه ليس هناك ما يخالفه ، ولا يعرف من الطائفة العمل بخلافه ، وجب ـ أيضاً ـ العمل به ، إذا كان متحرّجاً في روايته ، موثوقاً في أمانته ، وإن كان مخطئاً في أصل الاعتقاد.
ولاَجل ما قلناه عملت الطائفة بأخبار الفطحية ، مثل : عبـدالله بن بكير وغيره ، وأخبار الواقفة ، مثل : سماعة بن مهران ، وعلي بن أبي حمزة ، وعثمان بن عيسى ، ومن بعد هؤلاء بما رواه بنو فضّال ، وبنو سماعة ، والطاطريّون وغيرهم ممّا لم يكن عندهم فيه خلاف »(1).
ويعلم من هذا الكلام ، أنّ خبر المخالف الثقة المعبَّر عنه اصطلاحاً بالخبر الموثّق ، لا يقبل مطلقاً إلاّ بشروط معيّنة ، ومعنى هذا أنّ مخالفة راويه في الاعتقاد ليس دليلاً على فساد الخبر في نظر الشيخ الطوسي ، وإنّما فساده في عدم تحقّق الشروط المطلوبة في حجّيّة الخبر ، كمخالفته للصحيح الثابت ، أو لِما هو أقوى منه ، أو لغرابته ، أو التفرّد به ، ونحو ذلك ممّا قد يلحقه من أوصاف ومراتب الحديث الضعيف المردود ، ليأخذ 
 
 
(1) العدّة في أُصول الفقه 1|149 ـ 151. 
 
(120)
حينئذٍ حكم أخسّها وصفاً ورتبة.
وأمّا لو كان راويه غير ثقة ، أو لا تُعلم وثاقته. فقد يُتراءى ـ أحياناً ـ سكوت الشيخ عن بعض موارده في التهذيبين ، وهو لاَجل وروده من طريق صحيح أو طرق معتبرة أُخرى. شأنه بذلك شأن أيّ حديث ضعيف بإسناد صحيح بآخر ، فتخريجه إذاً لا يدلّ على الاحتجاج به لذاته ، وإنّما بغيره. وإلاّ فلا إشكال في ردّه والحكم بطرحه.
وقد صرّح الشيخ الطوسي بهذا في كتابه العدّة في أُصول الفقه في حديثه عمّا يرويه المتّهَمون والمضعَّفون ، فقال : « .. وإن لم يكن هناك ما يشهد لروايتهم بالصحّة وجب التوقّف في أخبارهم ؛ ولاَجل ذلك توقّف المشايخ عن أخبار كثيرة هذه صورتها ولم يرووها واستثنوها من فهارسهم من جملة ما يروونه من التصنيفات »(1).
على أنّ طرق الشيخ في التهذيبين لا تمثّل سائر طرقه إلى من روى عنه فيهما ، بل هناك الفهرست وغيره من الفهارس التي أحال الشيخ إليها في نهاية الكتابين ، وهذا ممّا يجب أن لا يغفل في معرفة حقيقة أسانيد التهذيبين ، وسيأتي الحديث عنها في محلّه إن شاء الله تعالى.
هذا ، وسوف نذكر بعض ما وجدناه من أحاديث رواة الفرق البائدة والمذاهب المخالفة التي لم تتوفّر فيها الشروط المطلوبة في حجّيّة الخبر ، ومنه يُعلم وجه فسادها ، وعلى النحو الآتي :
     1 ـ ما قاله في التهذيب في باب ميراث ابن الملاعنة ، عن خبرين لحنّان بن سدير الواقفي ، الثقة : « فهاتان الروايتان الاَصل فيهما حنّان بن 
 
 
(1) العدّة في أُصول الفقه 1|151. 
 
(121)
سدير ، ولم يروهما غيره »(1).
     2 ـ وفي باب الزيادات ، قال عن خبر الحسين بن علوان العالي ، الثقة : « هذا موافق للعامّة ولسنا نعمل به ، والعمل على ما قدّمناه »(2).
ولا يخفى بأنّ ردّ الخبر المروي عن أهل البيت عليهم السلام في كتبنا لموافقته للعامّة ، إنّما يكون في صورة تعارضه مع أخبارنا الصحيحة المرويّة عن أهل البيت عليهم السلام .
ولهذا السبب ردّ الشيخ جملة من الاَخبار.
منها ما ورد في أبواب الزيادات من التهذيب ، باب الصلاة مع الاَموات ، إذ ردّ خبراً بقوله : « وهذا الخبر الذي تقدّم موافق لبعض العامّة على ما قدّمت القول فيه ، فلا ينبغي أن يكون عليه العمل »(3).
ومنها ما جاء في باب الصلاة في السفر من التهذيب ، إذ قال في ردّه : « فهذا خبر موافق للعامّة ولسنا نعمل به »(4).
ومنها قوله عن خبر في آخر الزيادات في فقه الحجّ : « هذا الخبر موافق للعامّة ولسنا نعمل به ، والعمل على ما قدّمناه من الاَخبار »(5).
ومنها قوله في باب ميراث أهل الملل المختلفة : « فهذا الخبر والذي قدّمناه عن أبي الصيرفي ، فهما رُوِيا موافقَين للعامّة على ما يُروَيانه عن أمير المؤمنين عليه السلام ، ورجالهما ـ أيضاً ـ رجال العامّة ، وما هذا حكمه يُحمل على 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 9|346 ح 1241 باب 33.
(2) تهذيب الاَحكام 7|223 ح 977 باب 20.
(3) تهذيب الاَحكام 3|319 ح 988 باب 32.
(4) تهذيب الاَحكام 3|209 ح 504 باب 23.
(5) تهذيب الاَحكام 5|493 ح 1771 باب 36. 
 
(122)
التقيّة ولا يؤخذ به إذا كان مخالفاً للاَخبار كلّها »(1).
     3 ـ وفي الاستبصار في باب النهي عن بيع الذهب بالفضة نسيئة ، ويقابله باب بيع الواحد بالاثنين من التهذيب ، قال عن بعض الاَخبار التي رواها عمّار الساباطي الفطحي : « هذه الاَخبار ، أربعةٌ منها الاَصل فيها عمّار الساباطي ، وهو واحد ، وقد ضعّفه جماعة من أهل النقل ، وذكروا أنّ ما ينفرد بنقله لا يُعمل عليه ؛ لاَنّه كان فطحياً فاسد المذهب ، غير أنّا لا نطعن في النـقل عليـه بهـذه الطريقـة ؛ لاَنّـه وإن كان كـذلك ، فهو ثقـة في النقـل لا يطعن عليه »(2).
كما ردّ الشيخ قدس سره خبراً آخر لعمّار الساباطي لمعارضته لِما هو ثابت ، ولهذا صرّح بالاِجماع على تركه قائلاً : « ... وقد أجمعت الطائفة على ترك العمل بهذا الخبر »(3).
     4 ـ وفي أبواب حكم الآبار ، ردّ خبراً لتفرّد المخالف بروايته ، قائلاً : « ... إنّ الحسن بن صالح راوي هذا الحديث زيدي ، بتري ، متروك الحديث في ما يختصّ به »(4).
     5 ـ وفي باب من أراد الاستنجاء ، نقد خبراً بقوله : « ... راويه وهب ابن وهب وهو عامّي ، ضعيف ، متروك الحديث في ما يختصّ به »(5).
     6 ـ وفي التهذيب في باب ما يحرم من النكاح ومن الرضاع وما لا 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 9|368 ح 1314 باب 38.
(2) الاستبصار 3|95 ح 325 باب 62 ، وتهذيب الاَحكام 7|101 ح 435 باب 8.
(3) الاستبصار 1|372 ح 1413 باب 215.
(4) الاستبصار 1|33 ح 88 باب 17 ، وتهذيب الاَحكام 1|408 ح 1282 باب 21.
(5) الاستبصار 1|48 ح 134 باب 27 ، وتهذيب الاَحكام 1|32 ح 83 باب 2. 
 
(123)
يحرم ، قال عن خبر : « طريق هذا الخبر رجال العامّة والزيدية ، ولم يروه غيرهم ، وما هذا سبيله لا يجب العمل به »(1).
     7 ـ وفي كتابه الغَيـبة ، ردّ أخباراً كثيرة احتجّ بها بعض فرق الشيعة متّبعاً طريقته العلمية في التهذيبين ، نظير قوله : « فهذا الخبر رواه ابن أبي حمزة ، وهو مطعون عليه ، وهو واقفي... »(2).
للبحـث صـلة...
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 7|317 ح 1309 باب 27.
(2) الغَيبة : 55 ح 48. 
 
دوره في الحديث الشريف وعلومه
    ضرب الشيخ الطوسي قدس سره أمثلة كثيرة في كتابيه التهذيب والاستبصار على تحرّي الصحيح من الاَخبار وترك ما سواه بقدر الاِمكان، وقد اتّضح هذا من خلال بيانه لوجوه فساد الخبر التي لا يمكن معها الاحتجاج به في دين الله عزّ وجلّ، وذلك كلّما وجد الفرصة سانحة لهذا البيان وهو يسطّر بقلمه الشريف أحاديث أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام في أبواب كتابه الخالد تهذيب الاَحكام.
وقد بيّنا سابقاً الجزء الاَعظم من وجوه فساد الخبر بنظر الشيخ الطوسي قدس سره ، وبرهنّا على سلامة موقفه العلمي النزيه الواضح من الاَحاديث الضعيفة، والموضوعة، والموقوفة، والمضمرة، والمضطربة، والغريبة، والمرسلة، والمنقطعة، والشاذّة، ومع أخبار رواة الفرق البائدة والمذاهب المنحرفة. 
 
(154)
ولاَجل اكتمال صورة تلك الوجوه التي تعرّض لها الشيخ الطوسي في كتبه لا سيّما التهذيب والاستبصار، سنذكر ما تبقّى منها، مبتدئين بأهمّها على الاِطلاق نظراً لما تحمله من تساؤلات، بل وإثارات من هنا وهناك، ونظراً لاَهمّيتها سنقف معها في تعريفها وحقيقتها وتاريخها وموقف الشيخ الطوسي منها، وهي:
 
 
عاشراً: أخبار الغلاة والمتّهمين بالغلوّ:
الغُلُوّ في اللغة مصدر الفعل غلا يغلو، ومعناه ـ كما يقول الراغب ـ: تجاوز الحدّ(1).
وفي لسان العرب: «وغلا في الدين والاَمر، يَغْلُو غُلُوّاً: جاوز حدّه» ونقل عن تهذيب اللغة قول بعضهم: «غلوت في الاَمر.. إذا جاوزت فيه الحدّ وأفرطت»(2).
وفي المصباح: «وغلا في الدين غلوّاً ـ من باب قَعَدَ ـ تصلّب وشدّد حتّى جاوز الحدّ»(3).
كما عرّفه الشيخ المفيد لغة بقوله: «الغلوّ في اللغة هو التجاوز عن الحدّ والخروج عن القصد؛ قال الله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ)(4).. فنهى عن تجاوز الحدّ في المسيح عليه السلام ، وحذّر عن الخروج عن القصد في القول، وجعل ما ادّعته 
 
 
(1) المفردات ـ للراغب الاَصبهاني ـ: 613 مادّة «غلا».
(2) لسان العرب ـ لابن منظور ـ 10| 112 ـ 113 مادّة «غلا».
(3) المصباح المنير ـ للفيومي ـ 2| 452 مادّة «غلا».
(4) سورة النساء 4: 171. 
 
(155)
النصارى فيه غُلوّاً لتعدّيه الحدّ»(1).
وقال الطبرسي في تفسير الآية المتقدّمة: «أصل الغلوّ مجاوزة الحدّ، يقال: غلا في الدين يغلو غلوّاً، أو غلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب وتجاوزت لِداتها، تغلُو غُلُوّاً وغلاء. قال الحرث بن خالد المخزومي:
     حُمْصَانَةٌ قَلِقٌ مَوَشَحُهَا   *   رَؤْدُ الشباب غلا بها عظم»(2)
ويعلم ممّا تقدّم سعة معنى الغلوّ في اللغة، وأنّه لا حصر له بتجاوز الحدّ في رفع المخلوق إلى مرتبة الخالق؛ ولهذا قال العلاّمة الطباطبائي في معرض تفسير الآية الشريفة: «ظاهر الخطاب بقرينة ما يذكر فيه من أمر المسيح عليه السلام أنّه خطاب للنصارى، وإنّما خوطبوا بأهل الكتاب ـ وهو وصف مشترك ـ إشعاراً بأنّ تسمّيهم بأهل الكتاب يقتضي أن لا يتجاوزوا حدود ما أنزله الله وبيّنه في كتبه، وممّا بيّنه أن لا يقولوا عليه إلاّ الحقّ»(3).
وأمّا في الاصطلاح فلم أجد للغلُوّ تعريفاً يجمع أشتات هذا المعنى، وكلّ ما ذكر لا يعدو أكثر من الاعتقاد بتأليه المخلوق ورفعه فوق ما هو عليه، وهو ليس بذاك لاسيّما وإنّ في المأثور عن أهل البيت عليهم السلام وكذلك في أقوال بعض علماء العامّة ما يؤكّد سعة المعنى الاصطلاحي للغلوّ كما سيوافيك.
وعليه يمكن القول بأنّ الغلوّ هو ظاهرة أو موقف معـيّن مبالغ فيه بلا دليل، وقد يكون بحقّ فرد أو مجموعة، أو قضايا أو أفكار أو مبادئ معيّنة. 
 
 
(1) تصحيح الاعتقاد ـ للشيخ المفيد ـ: 238.
(2) مجمع البيان ـ للطبرسي ـ 3| 181.
(3) الميزان ـ للطباطبائي ـ 5|149. 
 
(156)
وقد نجد لهذا الكلام ما يؤيّده؛ فقد ذكر ابن حزم أنّ من طوائف الغـلاة: الخوارج الّذين غلو فقالوا: إنّ الصلاة ركعة واحدة بالغداة وركعة بالعشي فقط، وكذلك عدّ من الغلاة من قال بنكاح المحارم، أو من قال: إنّ سورة يوسـف ليس من القرآن الكريم وكذلك من ذهب من طوائف المعتزلة إلى القول بتناسخ الاَرواح، أو من حكم بحلية شحم الخنزير ودماغه، أو من قال: بأنّ من عرف الله حقّ معرفته سقطت عنه الاَعمال والشرائع(1).
وقال الشهرستاني في الملل والنحل: «والغلاة هم الّذين غلو في حقّ أئمّتهم حتّى أخرجوهم من حدود الخلقية وحكموا فيهم بأحكام الاِلهية، فربّما شبّهوا واحداً من الاَئمّة بالآلهة، وربّما شبّهوا الاِله بالخلق»(2).
فانظر كيف عدّ تشبيه الخالق سبحانه بالمخلوق من الغلوّ، ولم يحصره بتأليه المخلوق، وعلى هذا فالغلاة لا حصر لهم بفئة أو طائفة معيّنة كما يحبّ إشاعته من لم يعِ حقيقة الغلوّ ولم يفهم معناه، وإنّما هم في الواقع ـ كما يقول الشيخ المفيد ـ: «قوم ملحدة وزنادقة يموّهون بمظاهرة كلّ فرقة بدينهم»(3).
ومن جملة ما تقدّم يعلم بأنّ للغلوّ مصاديق جمّة في الفكر والعقيدة، ولا زال معظمها قائماً إلى اليوم، فالجبر، والتشبيه والتجسيم، والرؤية والحلول والنزول والاستواء كلّها من الغلوّ، لاَنّها من الاعتقادات التي تجـاوزت الحدّ وخرجت عن القصد، ونظيرها القول بعدالة الصحابة، بل 
 
 
(1) الفصل في الملل والاَهواء والنحل ـ لابن حزم الاَندلسي ـ 2|246.
(2) الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ 1|288.
(3) تصحيح الاعتقاد ـ للمفيد ـ: 240. 
 
(157)
لعلّ جملة من الصحابة يمكن تصنيفهم في دائرة الغلاة، نظير من كان يحكّ المعوّذتـين من مصحفه ولا يرى أنّهما من القرآن، ونظير من زعم خلوّ المصحف من سورتي الحقد والخلع، أو آية الشيخ والشيخة، ونحو هذا ممّا تجاوزوا فيه الحدّ وخرجوا به عن القصد..
وممّا يقطع بهذا ما جاء على لسان الاِمام الرضا عليه السلام بأنّ المشبّهة والمجبّرة إنّما هم من الغلاة؛ فقـد أخرج الصـدوق في التوحـيد بسـنده عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام : قال: «قلت له: يا بن رسول الله! الناس ينسبوننا إلى القول بالتشبيه والجبر لِما روي من الاَخبار في ذلك عن آبائك الاَئمّة عليهم السلام ؟
فقال عليه السلام : يا بن خالد!... إنّهم لم يقولوا من ذلك شيئاً وإنّما رُوي عليهم..
ثمّ قال عليه السلام : من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك ونحن منه براء في الدنيا والآخرة، يا بن خالد! إنّما وضع الاَخبار عنّا في التشبيه والجبر الغلاة الّذين صغّروا عظمة الله فمن أحبّهم فقد أبغضنا ومن أبغضهم فقد أحبّنا، ومن والاهم فقد عادانا ومن عاداهم فقد والانا، ومن وصلهم فقد قطعنا ومن قطعهم فقد وصلنا، ومن جفاهم فقد برّنا ومن برّهم فقد جفانا، ومن أكرمهم فقد أهاننا ومن أهانهم فقد أكرمنا، ومن قبلهم فقد ردّنا ومن ردّهم فقد قبلنا، ومن أحسن إليهم فقد أساء إلينا ومن أساء إليهم فقد أحسن إلينا، ومن صدّقهم فقد كذّبنا ومن كذّبهم فقد صدّقنا، ومن أعطاهم فقد حرمنا ومن حرمهم فقد أعطانا. يا بن خالد! من كان من شيعتنا فلا يتخذّن منهم وليّاً ولا نصيراً»(1). 
 
 
(1) التوحيد: 363 ـ 364 ح 12 باب نفي الجبر والتفويض. 
 
(158)
وهذا المقدار الذي ذكرناه بشأن الغلوّ لا بدّ منه، لكي يُعلم ـ ونحن نبيّن موقف الشيخ الطوسي من أخبار الغلاة أو المتّهمين بالغلوّ ـ أنّ نسبة الغلوّ إلى التشيّع مع انقراض جميع فرق الغلاة المحسوبة على التشيّع ظلماً، إنّما هي نسبة لا تمتّ إلى الواقع بصلة نظراً لِما في تراث التشيّـع الزاخر بتكفير الغلاة والبراءة منهم ولعنهم على رؤوس الاَشهاد، هذا في الوقت الذي نرى فيه احتلال رموز المجبرة والمشبّهة وأمثالهم قمّة الاِطراء والتبجيل!! وجدير بالذكر أنّ نسبة الغلوّ إلى جملة من رواة الشيعة لم تثبت؛ لعدم وجود ما يدلّ ـ ولو بالدلالة الهامشية ـ على اعتقادهم بما لا يجوز في حقّ الاَئمّة عليهم السلام ، لوجود المخرج الصحيح لروياتهم..
أمّا من أين جاءت إليهم تلك النسبة؟! فهذا يعود ـ كما نرى ـ إلى الظروف السياسية التي عاشها بعض رموز التشيّـع وقادتهم ممّن كانت لهم الكلمة النافذة والجاه العريض، كأحمد بن محمّـد بن عيسى الاَشعري، الذي حاول أن يمنع رواية بعض فضائل أهل البيت عليهم السلام التي لا يستسيغ سماعها علماء العامّة، وكذلك من لم يعِ قدر أهل البيت عليهم السلام من الشيعة أنفسهم، وهم من عُرفوا بالمقصرين، مع الاِذن برواية ما عداها؛ وذلك لضمان وحدة الموقف أوّلاً، وعدم نفور الطرف الآخر ثانياً، والتمهيد بهذا إلى الدخول في معتركه الفكري والثقافي بغية إظهار التشيّع بصورة تحتملها النفوس التي دأبت على إقصاء تراث أهل البيت عليهم السلام وتربّت على عداء شيعتهم وتكذيبهم في كلّ أو جلّ ما يروونه. ونتيجة لهذا فقد اضطرّ الاَشعري إلى ممارسة منهجه وتطبيقه بالقوّة كما فعل مع البرقي وغيره!
ولم يلبث الاَمر هكذا حتّى ظهر اتّجاه عام ومنهج متشدّد في التعامل 
 
(159)
مع رواة ذلك النوع من الفضائل، واعتمده جملة من العلماء البارزين من أمثال ابن الوليد، وتلميذه الشيخ الصدوق..
وقد أدّى ذلك إلى بروز ظاهرة التضعيف بنسبة الغلوّ إلى جملة من الرواة، كما نشاهده في نسبة الغلوّ على لسان (بعض أصحابنا) في تراجم بعض الرواة في رجال النجاشي وفهرست الشيخ مع إنّهما لم يتبنّيا تلك النسبة، بل وصرّحا في بعض التراجم بخلافها، ولو لم يكن منشأ نسبة الغلوّ تلك هو التحديث بذلك النوع من الفضائل لَما توقّف الشيخ ولاالنجاشي في ذلك، ولَما أظهرا أيّة معارضة لتلك النسبة.
نعم، تأثّر كبار فقهاء ومحدّثي الشيعة الاِمامية بدعوة الاَشعري ومنهجه كمحمّـد بن الحسن بن أحمد بن الوليد وتلميذه الشيخ الصدوق، وتجنّب بعض الفقهاء والرواة والمحدّثين المعاصرين للاَشعري الصدام مع مدرسته ومسايرتها بعدم رواية كلّ ما يرونه صحيحاً، من أمثال الفقيه الجليل والمحدّث الشـهير محمّـد بن الحسن الصفّار، الذي تجنّب في بصائر الدرجات ـ وهو كتاب أُلّف في قـم في أواخر أيام الاَشعري رحمه الله ـ مطلق الرواية عن سهل بن زياد مداراة منه للجوّ العام حينئذٍ، مع أنّ سهلاً من مشايخ الصفّار بلا خلاف، وقد روى عنه عدّة روايات في التهذيب والفقيه والتوحيد وغيرها من الكتب كما تتبّعناه، بل عُدّ الصفّار من جملة رجال عدّة الكافي الّذين يروي الكليني بتوسّطهم عن سهل بن زياد، والتي بلغت مواردها في الكافي أكثر من 1000 مورد، ومع هذا فقد تحاشى الصفّار الرواية عن سهل في بصائر الدرجات؛ لِما في موضوع كتابه من حساسية شديدة يومذاك.
ومن يدري؟! فلعلّه أراد بذلك درء شبهة الغلوّ عن نفسه وكتابه 
 
(160)
بتجنّبه سهلاً، لاسيّما وهو يرى شيخه البرقي يُخْرَج عنوة من قـم!
والذي أراه شخصياً أنّ الصفّار كان معتقداً بوثاقة سهل بن زياد وجازماً بصدقه وعدالته، بدليل أنّه ـ وبعد انتقال الاَشعري إلى رحمة الله ـ سارع للتحديث عن سهل بالروايات (الممنوعة) ليلقيها على مسامع أقطاب الحديث من تلامذته كالكليني رضوان الله تعالى عليه، الذي يقول عنه النجاشي: «شيخ أصحابنا في وقته بالرأي ووجههم، وكان أوثق الناس في الحديث وأثبتهم»(1).
وعلى أيـة حال فإنّ مـا ذكرنـاه لا يعـني القول بإنكار وجود الغلاة ولا إنكار وجود رواياتهم أيضاً، بقدر ما يعني الترّيث بشأن تهمة الغلوّ والتحقـيق في منشأها وأسـبابها ومصـدرها، فإن لم تثـبت بحقّ بعضـهم فـلا معنى للتساؤل عن سرّ وجود مروياتهم في كتبنا.
وإن ثبتت بحقّ بعض آخر، فكيف يعقل اعتماد الثقة الجليل على خبر الغلاة بعد انحرافهم وإيداعه في كتابه، وهو بنفسه يرى ضرورة تكذيبهم ولعنهم والبراءة منهم اقتداءً بما تواتر عن أهل البيت عليهم السلام بلعنهم، والبراءة منهم، وإهانتهم؟! وقد تقدّم في حديث الحسين بن خالد عن الاِمام الرضا عليه السلام ما هو صريح بذلك..
هذا فضلاً عن إيعاز أهل البيت عليهم السلام لشيعتهم بالفتك بالغلاة وتصفيتهم جسدياً مع التمكّن، وقد استطاع بعضهم ذلك فعلاً؛ إذ تمكّن أحـد أصحاب الاِمام العسـكري عليه السلام من الفـتك بفارس بن حاتم بن ماهويه القزوينـي فقتـله بسامراء بعد أن اتّضـح غلوّه ولعـنه على لسان الاِمام عليه السلام . 
 
 
(1) رجال النجاشي: 377 رقم 1026. 
 
(161)
وكلّ هذا يدلّ على أنّ روايات بعض الغلاة قد نقلت عنهم في حال استقامتهم وهذا هو ما صرّح به الشيخ الطوسي قدس سره في تسجيل موقفه الصريح أزاء مروياتهم، مؤكّداً جواز العمل بما رووه في حال استقامتهم وعدمه في حال انحرافهم، بل حتّى ما رووه في حال استقامتهم لم يعمل به الشيخ مطلقاً دون قيد أو شرط، وإنّما عامله معاملة الخبر الضعيف الذي لايمكن القول بجواز العمل به مع وجود ما يشهد بصحّته، وإلاّ وجب التوقّف أزاء ما يروونه الغلاة في الحالتين معاً.
وهذا ممّا لا ينبغي الشكّ فيه، فالشيخ بعد أن قرّر أنّ الطائفة روت عن أُولئك الغلاة كأبي الخطّاب محمّـد بن أبي زينب، وأحمد بن هلال، وابن أبي العزاقر، قبل انحرافهم وفي حال استقامتهم(1)، لا يبقى ثمّة وجه لمناقشة خبرهم على أساس صدوره بعد انحرفهم؛ ولهذا قلنا بأنّ الشيخ كان ينظر لاَخبارهم بتوجّس وحيطة على الرغم من صدورها عنهم في حال سلامتهم..
وأكثر ما يتّضـح هذا من الشيخ في كتابه الغيـبة ـ مع وجود ما يدلّ عليـه أيضـاً في التهذيب و الاستبصار ـ لنكتـة منـاقشته لجميـع ما استدلّ بـه المنحرفون في إثبات مدعياتهم وتكذيبهم(2)، كما هو الحـال في روايـات أحمد بن هلال العبرتائي التي أشرنا لها في أمثلة الحديث المردود عنـد الشيـخ في مـا تقـدّم مـن الحلقـة السابقـة، ولا حـاجة بنـا إلى إعـادتـه. 
 
 
(1) انظر: العُدّة في أُصول الفقه ـ للشيخ الطوسي ـ 1|135 و151.
(2) أُنظر على سبيل المثال: الغيبة ـ للشيخ الطوسي ـ: 55 ح 48. 
 
(162)
وممّا يحسن التنبيه عليه هنا هو أنّ الشيخ لم يقتصر على مناقشة خبر الغلاة، وإنّما ناقش روايات من ضُعّفوا أو اتُّهِموا مجرد اتّهام بالغلوّ في حال تفرّدهم بغضّ النظر عن وجود من وثّقهم.
ومن الاَمثلة الدالّة عليه:
1 ـ قوله في التهذيب في باب المهور عن خبر محمّـد بن سنان: «فأوّل ما في هذا الخبر، أنّه لم يروه غير محمّـد بن سنان، عن المفضل بن عمر، ومحمّـد بن سنان مطعون عليه ضعيف جدّاً، وما يختصّ بروايته ولايشاركه فيه غيره لا يعمل به»(1).
2 ـ وفي باب أنّه لا يصـحّ الظهار بيمين من أبواب الظهار: «وأمّا الخبر الاَوّل فراويه أبو سعيد الآدمي، وهو ضعيف جدّاً عند نقّاد الاَخبار، وقد استثناه أبو جعفر بن بابويه في رجال نوادر الحكمة...»(2).
ومن الواضح إنّ ردّ خبر محمّـد بن سنان وخبر سهل في باب التعارض لا يدلّ على ردّ ما روياه في غيره بدليل احتجاج الشيخ نفسه والصدوق كذلك والكليني بأخبارهما؛ لوجود ما يدلّ على صحّتها وسلامتها.
 
 
الحادي عشر: الخبر المجمع على ترك العمل بظاهره، أو المخالف لِما ثبت بالدليل:
ومن وجوه فساد الخبر عند الشيخ الطوسي قدس سره حتّى وإن كان الخبر صحيحاً، هو الاِجماع الحاصل على ترك العمل بظاهره، وله أسباب كثيرة؛ 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 3|224 ح 810 باب 138.
(2) تهذيب الاَحكام 3|261 ح 935 باب 158. 
 
(163)
إذ قد يكون الخبر شاذّاً، أو خرج مخرج التقية ونحو ذلك من الاَسباب المؤدّية إلى ترك العمل بظاهره إجماعاً، وهذا يكشف بحدّ ذاته عن تضلّع الشيخ قدس سره بفتاوى الفقهاء المتقدّمين، وبمعرفته الدقيقة بتلك الاَخبار التي لم يعمل بها أحدهم أو أغلبهم بما لا يشكّل خرقاً واضحاً لدعوى الاِجماع.
ومن الوجوه الاَُخرى الدالّة على فساد الخبر بنظر الشيخ هو مخالفته الصريحة لِما دلّ الدليل على صـحّته، ولكلا النوعين أمثلة عديدة نكتفي بذكر بعضها كالآتي:
1 ـ قوله في التهذيب في باب المياه وأحكامها: «فهذا الخبر شاذّ شـديد الشـذوذ وإن تكرّر في الكتب والاَُصول، فإنّما أصله: يونس، عن أبي الحسن عليه السلام ، ولم يروه غيره، وقد أجمعت العصابة على ترك العمل بظاهره، وما يكون هذا حكمه لا يعمل به...»(1).
وحديث يونس هذا، هو ما أفتى بظاهره الشيخ الصدوق في الفقيه(2)، وأصله ـ كما قال الشيخ ـ: يونس بن عبـد الرحمن، ولم يروه أحد غيره، وقد أخرجه الكليني عنه، عن أبي الحسن عليه السلام في باب النوادر من كتاب الطهارة، قال: «قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد ويتوضّأ به للصلاة؟ قال: لا بأس بذلك»(3).
ويحتمل أن يكون لفظ: «منه» في فتوى الصدوق على أثر حديث الماء الـذي قدره قلّتـين بقوله: «ولا بأس بالوضوء منه، والغسل من 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 1|219 ح 627 باب 10، والاستبصار 1|14 ح 27 باب 5.
(2) الفقيه 1|6 ح 3 باب 1.
(3) فروع الكافي 3|73 ح 12، وعنه في الوسائل 1|204 ح 1 باب 3 من أبواب الماء المضاف. 
 
(164)
الجنابة، والاستياك بماء الورد» زائداً، ولعلّه من النسّاخ، ويدلّ عليه خلوّ الحديث من اللفظ المذكور، مع خلوّ بعض نسخ الفقيه منه أيضاً كما في روضـة المتّقـين(1).
ولهذا اللفظ (منه) أهميته القصوى في المقام؛ إذ على تقدير وجوده سيكون الضمير فيه راجعاً إلى الماء المطلق، ولا إشكال في استخدامه لرفع الحـدث؛ إذ سـتكون جملة: «والاستياك...» قائمة برأسها لمحل الاسـتئناف.
وعلى تقدير عدم وجوده، سيكون المعنى هو جواز رفع الحدث بالماء المضاف وهو على خلاف المذهب.
والظاهر، عدم وجود اللفظ المذكور في أصل الفقيه؛ لاَنّ نفي البأس عن الوضوء بالماء المطلق الذي لم ينجسه شيء هو من تحصيل الحاصل، على أنّ الوضوء يكون (بالماء) لا (منه).
ثمّ إنّ هذه الرواية رواها سهل بن زياد، عن محمّـد بن عيسى، عن يونس.
وعلى هذا تكون ضعيفة على مبنى الصدوق بسهل بن زياد أوّلاً، وبرواية محمّـد بن عيسى بن عبيد عن يونس ثانياً، لاستثناء ابن الوليد لكلا الموردين من نوادر الحكمة، ووافقه الصدوق على ذلك، وقد شهد بهذا ابن نوح كما في رجال النجاشي(2).
ويمكن الاستدلال بهذا ونظائره على عدم متابعة الصدوق لشيخه في جميع الاَحوال. 
 
 
(1) روضة المتّقـين ـ للمجلسي الاَوّل ـ 1|41.
(2) رجال النجاشي: 348 رقم 939 في ترجمة محمّـد بن أحمد بن يحيى الاَشعري. 
 
(165)
2 ـ وفي الباب الاَوّل من أبواب الطلاق في الاستبصار ردّ الشيخ بقوّة على ما رواه عبـدالله بن بكـير الثقة الفطحي، وحاكم أقواله السابقة بخصوص ما ورد في موضوع روايته، وحكم بردّها لمخالفتها لِما ثبتت صـحّته(1).
3 ـ وفي أبواب زيادات الميراث من التهذيب: «هذا الخبر ضعيف الاِسناد، مخالف للمذهب الصحيح»(2).
4 ـ وفيه أيضاً: «هذا الخبر غير معّول عليه» مؤكّداً ورود جميع الاَخبار بخلافه(3).
5 ـ وفيه أيضاً، قال عن خبر أبي العبّـاس البقباق: «قال علي بن الحسن: هذا خلاف ما عليه أصحابنا»(4).
6 ـ وفي باب الحُرّ إذا مات وترك وارثاً مملوكاً: «فإنّ هذا الخبر غير معمول عليه ـ إلى أن قال ـ فالخبر متروك من كلّ وجه»(5).
7 ـ وفي الاستبصار، في باب أنّـه لا يجوز إقامة الشهادة إلاّ بعد الذكر: «فهذا الخبر ضعيف مخالف للاَُصول»(6).
وأمّا عن الاَخبار التي خرجت مخرج التقية وردّها الشيخ صراحة، في 
 
 
(1) الاستبصار 3|279 ـ 280 ح 982 باب 164، وانظر: الاستبصار 3|271 ـ 272 ح 963 وح 964 من الباب المذكور لتتأكّد من دقّة الشيخ وقوّة استنتاجه في كلامه عن رواية ابن بكير.
(2) تهذيب الاَحكام 9|393 ح 1402 باب 46.
(3) تهذيب الاَحكام 9|395| ح 1408 باب 46.
(4) تهذيب الاَحكام 9|397 ح 1418 باب 46؛ ونقل عن علي بن الحسن في حديث آخر في الاستبصار 4|194 ح 622 باب 97 نظير هذا القول أيضاً.
(5) تهذيب الاَحكام 9|335 ح 1204 باب 32.
(6) الاستبصار 3|22 ح 68 باب 16. 
 
(166)
التهذيب والاستبصار، فقد تقدّمت الاِشارة إليها في الفصل الثاني من فصول دور الشيخ الطوسي قدس سره في الحديث الشريف ولا حاجة إلى إعادتها(1).
 
 
الثاني عشر: الاَحاديث المعلّلة:
الحديث المعلّل: هو ما فيه من أسباب خفية غامضة قادحة في نفس الاَمر، مع أنّ ظاهره السلامة منها، بل الصـحّة(2).
وعلل الحديث أنواع كثيرة منها ما يقع في الاَسناد، كالاِرسال والوقف، أو إدخال حديث في حديث، ونحو ذلك من الاَسباب القادحة، كما قد تقع في المتن أيضاً، كركاكة بعض ألفاظه، وتراكيبه، أو بعده عن الواقع وعدم استقامته، أو مخالفته لقواعد اللغة، أو لدليل قاطع، كما لو تضمّن ـ مثلاً ـ ما هو مخالف لدليل قاطع، كعصمة الاَنبياء والاَئمّة عليهم السلام ، وقد تطلق العلّة على غير مقتضاها ككذب الراوي، أو خطئه، أو توهّمه، أو سوء حفظه، أو غفلته بإتيان لفظ الحديث على غير وجهه المعروف، وقد يكون لنقل الحديث بالمعنى من لدن غير العارف بدلالات الاَلفاظ الاَثر الكبير في ردّ الحديث ولهذا نبّه أهل الفن على جملة من الطرق التي يمكن أن يدرك من خلالها الحديث المعلّل كالنظر في اختلاف رواته، وضبطهم وإتقانهم ومدى ما في الحديث من موافقة لغيره أو مخالفة لِما هو أصـحّ منه، ونحو ذلك من القرائن التي تنبّه على وهم في الحديث.
وقد اتّفقت كلمة أهل الدراية من الفريقين على أن هذا النوع يعد من أجل أنواع الحديث، وأنه لا يتمكن منه إلاّ الحذّاق من أهل الحفظ والخبرة 
 
 
(1) انظر: الحلقة الثالثة من هذا البحث في «تراثنا»، العددان (55 ـ 56) ص 152.
(2) الرعاية ـ للشهيد الثاني ـ: 141. 
 
(167)
والفهم الثاقب والاِحاطة الكافية بعلوم الحديث رواية ودراية(1).
ومن الجدير بالاِشارة هنا، أنّه ليس كلّ علّة في الحديث تعدّ قادحة فيه؛ إذ عادة ما تكون العلّة طفيفة يمكن إزاحتها بالدليل، بخلاف بعض العلل التي لا يتسنّى فيها ذلك، وأغلب ما وقع في التهذيبـين هو من الصنف الاَوّل، وقليل من الثاني.
ومن أمثلة الحديث المعلّل الذي نبّـه عليه الشيخ قدس سره ، سواء كانت العلّة في الاِسـناد أو المـتن، أو كانت جاريـة على مقتضاها أو على غيره، مـا يأتي:
1 ـ قوله في التهذيب في باب الحدّ في الفرية والسبّ والتعريض: «هذا الخبر ضعيف، مخالف لِما قدّمناه من الاَخبار الصحيحة، ولظاهر القرآن، فلا ينبغي أن يعمل عليه، على أنّ فيه ما يضعفه، وهو: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام أمر الخصم أن يسبّ خصمه كما سـبّه!! ولا يجوز منه عليه السلام أن يأمر بذلك، بل الذي إليه أن يأخذ له بحقّه من خصمه، بأن يقيم عليه الحدّ إن كان ممّن وجب عليه، أو يعزّره إن لم يكن...»(2).
2 ـ وفي الاسـتبصار، في باب جواز أكل لحوم الاَضاحي بعد ثلاثة أيام: أورد خبراً عن جابر بن عبـدالله، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن سدير، عن 
 
 
(1) الرعاية: 141، وصول الاَخيار ـ لوالد الشيخ البهائي ـ: 111، مقباس الهداية ـللمامقاني ـ 1|366، نهاية الدراية ـ للسـيّد حسن الصدر ـ: 293 ـ 294.
وانظر: التقريب في علوم الحديث ـ للنووي ـ: 17 ـ 18 النوع (18)، والمختصر في علم الاَثر ـ للكافيجي ـ: 134، ورسالة في أُصول الحديث ـ للجرجاني ـ: 88، والنكت على نزهة النظر ـ للاَثري ـ: 123 ح 29، وغيرها.
(2) التهذيب 10|88 ح 342 باب 6، الاستبصار 4|231 ح 867 باب المملوك يقذف حُرّاً | 131. 
 
(168)
أبي جعفر عليه السلام ، وعن أبي الصباح عن أبي عبـدالله عليه السلام ما هو صريح بعنوان الباب(1)، ثمّ أورد عن محمّـد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال: «إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن تحبس لحوم الاَضاحي فوق ثلاثة أيام».. وهنا علّق الشيخ على هذا الخبر مبيّناً علّة متنه التي لم تقدح في الحديث، بأنّ محمّـد بن مسلم لا يمتنع أن يكون قد شارك أبا الصباح في رواية الخبر، ولكنّه أورد جزءه سهواً ولم يتمّ روايته؛ بدليل وجود هذا الجزء في رواية أبي الصباح ثمّ جاء الاِذن بعده(2).
3 ـ وفيه، في باب السكنى والعمري...: عن خالد بن نافع البجلي، عن أبي عبـدالله عليه السلام ، قال: «سألته عن رجل جعل لرجل سكنى دار له يعني صاحب الدار، فمات الذي جعل السكنى وبقي الذي جعل له السكنى، أرأيت إن أراد الورثة أن يُخرجوه من الدار لهم ذلك؟».. الخبر.
وهنا بيّـن الشيخ علّـة الخـبر لانحصار في وهـم الراوي فقال: «فما تضمّن صدر هذا الخبر من قوله: (يعني صاحب الدار) فهو من كلام الراوي وقد غلط في التأويل ووهم؛ لاَنّ الاَحكام التي ذكرها بعد ذلك إنّما تصـحّ إذا كان قد جعل السكنى مدّة حياة من أسكنه فحينئذ تقوّم وينظر باعتبار الثلث وزيادته ونقصانه، ولو كان الاَمر على ما ذكره الراوي المتأوّل للحديث منّ أنّه كان جعله مدّة حياة صاحب الدار لكان حين مات بطلت السكنى ولم يحـتجْ معه إلى تقويمه واعتباره بالثلث»(3). 
 
 
(1) الاستبصار 2|274 ح 971 ـ 972 باب 188.
(2) الاستبصار 2|274 ح 973 باب 188.
(3) الاستبصار 4|134 ح 504 باب 80، التهذيب 9|142 ح 594 باب في الوقوف والصدقات. 
 
(169)
4 ـ وفيه، في باب من أوصى بسهم من ماله: «فالوجه في هذ الخبر أحد شيئين، أحدهما: أن يكون الراوي وهـم؛ لاَنّه لا يمتنع أن يكون سمع ذلك في تفسير الجزء فرواه في السهم وظنّ أنّ المعنى واحد، والوجه الثاني أن يحمل على أنّ السهم واحد من عشرة وجوباً وواحد من ثمانية استحباباً كما قلناه في الجزء سواء»(1).
ولا يخفى بأنّ العلّة المبيّنة في الوجه الاَوّل إنّما تعود لوهم الراوي، ومع هذا فهي غير قادحة على ما بيـنّه الشيخ في الوجه الثاني، وهناك أحاديث أُخرى نبّـه الشيخ على ما فيها من علل، كغلط الرواة ووهمهم ونحو هذا من العلل التي بيّنها تفصيلاً(2).
هذا، وقد بيّن الشيخ الطوسي قدس سره أمثلة كثيرة من الاَخبار المعلّلة بالوقف، أو الاِرسال والانقطاع وما إلى ذلك من الاَسباب القادحة في حجّـية الخبر، وقد مرّ ذلك في بيان دوره الجاد في علوم الحديث دراية ورواية(3). 
 
 
(1) الاستبصار 4|105 ح 400 باب 65.
(2) انظر: تهذيب الاَحكام 9|187 ح 753 باب الرجوع في الوصية | 10، و3|193 ح 440 و441 باب في الصلاة على الاَموات | 21، و1|134 ح 370 باب في حكم الجنابة وصفة الطهارة | 6، ورواه في الاستبصار 1|124 ح 422 باب وجوب الترتيب في غسـل الجنابة | 74، وكذلك الاستبصار 1|87 ح 276 باب إنشاد الشـعر| 52، و1|106 ح 349 باب 63 من أبواب الجنابة وأحكامها، و1|146 ح 500 باب المرأة تحيض في يوم من أيام شهر رمضان | 86، و1|214 ح 754 باب المقتول شهيداً بين الصفّـيْن | 125، و1|469 ح 1811 باب وجوب الصلاة على كلّ ميت | 288. (3) تقدّم ذلك في بيان دور الشيخ قدس سره في علوم الحديث دراية ورواية في ما كتبناه في العددين 57 و 58 من نشرة «تراثنا» الموقّرة، فراجع. 
 
(170)
 
 
اجتماع أكثر من وجه من وجوه فساد الخبر
وفي ختام هذا الفصل نشير إلى أنّه قد يجتمع في الخبر أكثر من سبب واحد دالّ على فساده، وهنا يقف الشيخ موقف المنبّه على تلك الاَسباب والعلل واحدة تلو الاَُخرى، ومن أمثلة الاَخبار التي اجتمع فيها أكثر من وجه واحد من وجوه فساد الخبر، هو ما تعرّض له الشيخ في التهذيب في نقد خبر حذيفة بن منصور في مسألة العدد في أيام شهر رمضان المبارك(1).
ولم يقف الشيخ هذا الموقف في كتابيه التهذيب والاستبصار فحسب وأنّما جرى عليه في كتبه الاَُخرى أيضاً، ومن أوضح الاَمثلة عليه ما نجده في رسالته في تحريم الفقاع، فقد أورد في رسالته تلك خبراً لمرازم، وهو من رواية ابن أبي عمير عنه، وعقّب عليه بقوله: «هذا الخبر فاسد من وجوه».
ثمّ بيّن هذه الوجوه كالآتي:
«أوّلها: إنّه شاذّ يخالف الاَخبار كلّها وما هذا حاله لا يعترض به على الاَخبار المتواترة.
وثانيـها: إنّـه من رواية مرازم، وهـو يرمـى بالغلوّ، ولا يلتـفت إلى 
 
 
(1) تهذيب الاَحكام 4|169 ح 482 باب في علامة أوّل شهر رمضان | 41، والاستبصار 2|65 ـ 66 ح 213 ـ 215 باب أنّ شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين|33. 
 
(171)
مـا يختصّ بروايته.
وثالثها: إنّه قد ورد مورد التقيّة، لاَنّه لا يوافقنا على تحريم هذا الشراب أحد من الفقهاء.
ورابعها: ما ذكره ابن أبي عمير من أنّ المراد به فقاع لا يغلي»(1).
ويتّضح من هذا ونظائره ما يدلّ وبكلّ وضوح على أنّه قد سخّر طاقاته الفكرية والعلمية كلّها لخدمة الحديث الشريف، وذلك ببيان ما هو الصحيح من الاَخبار، مع التنبيه الجادّ على الضعيف منها مبيّـناً سببه بكلّ صراحة، وأنّه لم يجامل في ذلك أحداً قط، فقد وجدناه يخطّئ كبار الرواة من أصحاب الاَئمّة عليهم السلام في بعض ما رووه، هذا مع إجلاله وتقديره لِما استحفظوه ودوّنوه من تراث آل محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم .
وإن دلّ هذا على شيء إنّما يدلّ على بذل كلّ ما في وسعه لخدمة الحديث الشريف دراية ورواية، وليس كما قال الاَُستاذ علاّل الفاسي ـ كما تقدّم في الحلقات السابقة ـ من أنّ الشيخ الطوسي استخدم العقل لتبرير كلّ ما روي ولو كان ظاهر الوضع!!
ولعلّ في ما ذكرناه من دوره في الحديث الشريف رواية ودراية يفنّـد هذه الاَُكذوبة ويأتي على بنيانها من القواعد.
 

أضف تعليق


كود امني
تحديث