بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين .
وبعد ...
عالمنا اليوم هو عالم متعدد الاتجاهات والألوان وأقصد بذلك عالم الفكر والمعرفة الفسيح والرحب وجاءت العولمة - وطبعاً العولمة لا يمكن حصرها بالجانب الاقتصادي والسياسي كما يتصور البعض-  لتغزو عالمنا وتأخذ دوراً كبيراً في المجال الثقافي والمعرفي، ومن الخطأ أن نستعدي ونحارب كل ما جاءت به هذه الثقافات من أفكار وطروحات، فهناك السلبيات والايجابيات ،  فالحداثة  التي يُراد عولمتها إذا كانت تعني التطور النوعي والفهم والاستيعاب التام لمفردات الزمن الذي نعيشه وإدراك متطلبات المرحلة بحيث لاتتقاطع مع الثوابت والخطوط العامة لمعالم الاسلام، فهذا مما يدعو له الاسلام فالتجديد والابداع والتنوير بهذا المعنى لا ضير فيه بل هو من صميم  وروح الإسلام . ولكن إذا كان الغرض هو تصدير ثقافات هجينة روحها التقليد المحض من خلال تأثيرات العولمة فهذا مما يرفضه كل من له مسكة من عقل .  وهناك ثلاثة أبعاد واتجاهات لتحليل هذه الظاهرة . فالاتجاه الأول: من كان منبهراً بالغرب الى حد التخلي عن كل ما يمت الى الامة بصلة ، فدعا هذا الصنف الى نبذ التراث وأنشأ قطيعة ً معرفية ً معه، ليحل محله النموذج الغربي محل النموذج السائد في حضارتنا .
والاتجاه الثاني: ارتد سلفياً رافضاً لمعطيات الحضارة الحديثة منكباً على التراث لا يرى غيره، ويُصر على تكرر النموذج الحضاري الاسلامي رغم تأريخيته .
والاتجاه الثالث: عاد الى التراث يستنطقه ويبحث فيه عن مصدر قوته ليؤسس من عناصره القادرة على البقاء قاعدة تستوعب معطيات الحضارة الحديثة في إطار الإسلام وقيمه ومبادئه، وإنما ينقده ويقومه ليستلهم منه الرقي الحضاري ولا يرتمي في أحضان الغرب ولايرفض معطياته الحضارية (1). والاتجاه الاخيرهو ما يدعو له الاسلام- كما تقدم - وما أصّله علماؤنا رضوان الله عليهم كالسيد الشهيد محمد باقر الصدر والشهيد مرتضى المطهري والسيد الطباطبائي والشيخ مغنية وغيرهم يسير في هذا المنحى .

يقول الشهيد المطهري رحمه الله في هذا الصدد  : ان الجمود والركود الفكريين اللذين حكما العالم الاسلامي خلال القرون الاخيرة وخاصة توقف الفقه الاسلامي عن التحرك وظهور روح الميل الى الماضي والنظر اليه والامتناع عن مواجهة روح العصر تعد من اسباب هذه الهزيمة واليوم يحتاج العالم الاسلامي اكثر من أي وقت مضى الى نهضة تشريعية تنبع من رؤية جديدة شاملة وواسعة وعميقة الى التعاليم الاسلامية .(2) 
وأما المعطيات للحضارة الغربية هو ما نراه  من انفتاح العالم على بعضه البعض، وكأننا في قرية كونية كما يسميها البعض، وأصبحت الخطوات في هذا المجال سريعة جداً لا سيما في أهم أدواتها وآلياتها وهو عالم الشبكة العنكبوتية والأنترنت .
فتطورت قنوات الاتصال الثقافية والاجتماعية تطوراً مذهلاً ومدهشاً؛بحيث يمكن لمن يملك فكراً وعلماً معيناً أن يؤثر في الآخرين والعكس صحيح أيضاً ، فبإمكانه أن يستقطب شريحة كبيرة من الناس بما يمليه عليهم من أفكار وأيديولجيات من خيال فكره ولعلها تصب في الاتجاه الأول أو الثاني؛ - وهنا بيت القصيد- بحيث قد تتخطى هذه الأفكار كل الحدود وبث الشكوك في كل ما يمس ديننا الحنيف وكل ما نؤمن به من ثوابت دينية وعقدية، فهناك من يشكك بوحيانية القرآن وأنه من تأليف الرسول صلى الله عليه وآله، وعدم وجود الجنة والنار ونفي وجود الوحي وقراءآت للوحي بشكل غريب ما أنزل الله بها من سلطان وغير ذلك من الشبهات التي قد يصدقها الكثير؛ لأنها قد تأخذ منهجاً جديداً في التلاعب بالألفاظ واستخدام مفردات بعيدةً كل البعد عن لغتنا العربية التي تحمل في طياتها كل أطياف الجمال والرمزية والبلاغة والكناية والبديع وو... مالم تحمله لغة أخرى ، فنجدهم يقتبسون بل يقلدون تقليداً أعمى للتهافت بجلب هذه المفردات وكأنها تضفي طابعاً للفهم حينما يتلفظ بها ، مع العلم أن تلفظفها بلغتنا فيها من الروعة ما يُغنينا عن اقتباس وتقليد الآخرين - وهذا لا يعني أننا نستهجن ذلك العمل كلا ؛ بل تضخيم هذه الحالة بإفراط وكأن الفهم محصور بهذه الطريقة ، فهذا ما نستهجنه ونرفضه - ولكن وللأسف الشديد نجد بعض هذه الأفكار تأخذ طريقها إلى عقول شبابنا ومثقفينا بلا تأمل ورويّة ودراسة، وفي بعض الأحيان أجد الحق معهم لأننا؛ وكما يُعبّر السيد الشهيد محمد باقر الصدر أننا لم نتفاعل معهم، فمن الطبيعي أن لا يتفاعلوا معنا، وتحدّث رحمه الله تعالى في تلك الفترة والتي لا يوجد فيها هذا التطور الهائل ووسائل التكنلوجيا حول النظرة الاستصحابية التي  تواجهنا حينما نريد أن نُغيّر بعض المناهج .
فما بالك اليوم وهذا التحدي الذي يغزو أفكار أجيالنا فالخطر يداهمهم في كل حياتهم؛ لأن الوسائل تغيّرت فمن الطبيعي أن تتغير أفكارهم، والمفترض أن تتغير وسائلنا وأدواتنا نحن أيضاً؛ وذلك بالتركيز على الدراسات القرآنية والحديثية والعقدية، وأن يكون هناك منتجاً لهذه الأفكار وذلك بفتح مراكز علمية كبيرة تحتضن كل من له القدرة على الابداع في هذه المجالات، وتربية أساتذة فاعلين في رد هذه الشبهات، وعدم التركيز فقط على الجنبة الفقهية والاصولية مع ما لها من الاهمية الكبيرة أيضاً.
وإيماناً منا بالمسؤلية الدينية والشرعية وجدت أن نفتح صفحة تفاعلية في هذا الموقع  للرد على هذه الأفكار وبأسلوب علمي وموضوعي رصين؛ وذلك من خلال طرح الشبهة أولاً وبيان مرتكزاتها وتحليلها ثانياً، ومن ثم الإجابة عليها . وأدعو أيضاً كل من يستطيع أن يساهم في هذا المجال أن يكتب لنا مقالاً يتناول هذا الموضوع بالخصوص، وسوف نُنزل مقالته في هذه الصفحة .
أسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لخدمة ديننا وأن يهدينا لطريق الحق أنه نعم المولى ونعم النصير .
---------------
​الهامش :

1- انظر؛ ماجد الغرباوي، اشكاليات التجديد ، ص 26.

2- ختم النبوة ، ص 49.

أضف تعليق


كود امني
تحديث