هل توجد قواسم مشتركة للجمع بين المسلمين ولاسيما في هذا الظرف، فالكل يدعوا للفرقة والكل يدعّي أنه يمثل الأسلام  ؟ ( أم محمد - مصر )

الجواب ؛ في البدء اُشير الى نقطة مهمة جدا ، وهي أن مفردة ( الكل) التي تدل على العموم غير دقيقة ، فمثلاً الشيعة يمثلون الاعتدال نوعاً ما، ولعل نظرة سريعة الى مفاهيمهم التي أصولها كلها تدل على الوحدة والانسجام بين المسلمين،  والواقع أمامنا يصدّق ويطابق ما قلناه ، وهذا السيد السيستاني ( دام ظله) يصف أهل السنة بأنهم (أنفسنا) وهذه نقطة مهمة يجب ان تلتفتوا اليها . وهكذا الامام الخميني (رحمه الله) يسير في نفس هذا الأفق ، فهو يعتبر الوحدة بين المسلمين أحياناً واجباً إلهياً، حينما قال : "من الواجب علينا نحن ابناء الشعب جميعاً في اي موقع كنا.. وجوباً إلهياً، بأن نتكاتف ونتحد فيما بيننا.." وهكذا السيد محمد باقر الصدررضوان الله عليه الذي كان ينادي بأعلى صوته : " فأنا معك يا أخي وولدي السني بقدر ما أنا معك يا أخي وولدي الشيعي، انا معكما بقدر ما انتما مع الاسلام .." فهنا في هذا الخطاب لايفرق بين سني وشيعي ابدا ، وأن الاسلام هو الجامع المشترك .وهكذا الامام الخامنئي (دام ظله ) لايبتعد كثيرا عن فكر الامام الصدر ، حينما قال : " لحسن الحظ ليس لدينا مشكلة مع أهل السنة في إيران. عشنا طوال 17 أو 18 سنة بعد الثورة بتصافٍ ومحبة وصميمية دائمة، ونشكر الله على ذلك.أخوتنا في المناطق التي يكثر فيها أهل السنة قدموا أكبر المساعدات للحكومة والنظام الإسلامي. القضية قضية العالم الإسلامي. القضية قضية مستقبل الإسلام..." فهو ايضا يؤكد على محورية الاسلام بغض النظر عن الطوائف والمذاهب . اذن الشيعة سائرون في هذا الخط وهو معيارية الاسلام بلا فرق بين هذا وذاك سواء كان سنياً أو شيعياً أو أيا كان لونه وعرقه .

وأما القواسم المشتركة بين المسلمين؛ فهي كثيرة جداً،  وقد كتبت في هذا الموضوع سابقاً، حول الأسس التي يجب اتباعها لكي نحقق الوحدة الإسلامية بصورة صحيحة ، وأكرر ما كتبته لأهمية هذا الموضوع:

إنّ مفهوم الوحدة الاسلامية يجسّدها القرآن الكريم بأروع وأجمل صورة، فحينما نتأمل بمفردات آياته جل وعلا نجد هذا المفهوم واضحاً جلياً فعندما يخاطبنا، بقوله تعالى تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}([1]). أو قوله تعالى :{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}([2]).
فالقرآن يصوغ ويؤكد على مفهوم الأمة الواحدة، القادرة على التعايش والتكيّف فيما بينها، فما أحوجنا اليوم الى تجسيد وتفعيل هذا المفهوم الكبير على أرض الواقع- وإن اختلفنا - للوصول إلى الأهداف الكُبرى التي تجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد.
ولابد لنا وواجب علينا كمسلمين تأكيد نقاط الالتقاء فيما بيننا، ولنا أسوة حسنة  في تجربة تقريب الوحدة بزعامة الشيخ محمد تقي القمي والشيخ محمود شلتوت في الخمسينات، فكانت تجربة ناجحة ورائعة رغم وقوع الاختلاف، حيث استطاع العلماء من كلا الطائفتين مناقشة قضايا متعددة فيها كثير من المشتركات، ووضع مما اختلف فيه على طاولة البحث العلمي والموضوعي للوصول الى النتائج التي تؤلف بين قلوب المسلمين.
وكذلك ما نجده من تقارب وتآخي بين الشيخ التلميذ محمد عبده وبين أستاذه ومعلمه السيد جمال الدين الأفغاني، فتلك العلاقة والرابطة الأخوية تدل على عمق الوحدة بينهما مع اختلاف مذهبيهما.
وما بذله المصلح الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء الذي كانت كلماته وخطابه ومناقشاته الموضوعية التي تدعو إلى وحدة المسلمين عموماً فكان بحق مصلحاً تفتخر به الأمة الإسلامية.
وأيضاً الحوار الهادئ والمثمر والهادف بين السيد شرف الدين وبين الشيخ سليم البشري المالكي، حيث كان التسامح والمودة في طرح  كل منهما وجهة النظر التي يؤمن بها، ومن ثم الالتقاء على ما هو الصحيح في العقيدة فجاء كتاب المراجعات ليدلنا على عمق الحب بين المذهبين وان كان هناك اختلاف في الرؤى والمعتقد.  
إذن لابد لنا من إشاعة روح التسامح والمحبة والود وحسن الظن بالآخر، فما لم نحمل تلك الروح لا يمكن أن نصل الى مفهوم الأمة الواحدة التي نادى بها القران للوحدة بين المسلمين.

تنوع مفهوم الوحدة في القرآن:

1- الاعتصام بحبل الله تعالى
تنوعت أساليب القرآن الكريم في الدعوة لهذا المفهوم فتارةً يدعو صراحة كما في قوله تعالى:
{وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا كَذٰلِكَ يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءايَـٰتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}([3]).
قال القرطبي في تفسيره:
>فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة. ورحم الله ابن المبارك حيث قال: إن الجماعة حبل الله فاعتصموا * منه بعروته الوثقى لمن دانا<([4]).
وقال السيد الطباطبائي في ميزانه:
>هذه الآية تتعرض لحكم الجماعة المجتمعة والدليل عليه قوله جميعاً وقوله ولا تفرقوا فالآيات تأمر المجتمع الإسلامي بالاعتصام بالكتاب والسنة كما تأمر الفرد بذلك<([5]).

   2-  إصلاح ذات البين
وتارة أخرى نجد أن القرآن الكريم يأمر بأشياء للوصول إلى الوحدة منها الإصلاح بين الأخوين وإصلاح ذات البين فهي من الأمور التي تخلق الوحدة بين المسلمين  قال الله تعالى:
{إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}([6]).
وقال جل وعلا: { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ }([7]).
قال الإمام الصادق عليه السلام:
> المسلم أخو المسلم، وحق المسلم على أخيه المسلم أن لا يشبع ويجوع أخوه، ولا يروي ويعطش أخوه، ولا يكتسي ويعرى أخوه فما أعظم حق المسلم على أخيه المسلم<([8]).
روى البخاري بسنده عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ:
> لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم ان يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام< ([9]).

3- النهي عن الافتراق والاختلاف
ومن أساليب القرآن والسنة في الدلالة على وجوب الوحدة بين المسلمين النهي الصريح عن الافتراق والاختلاف الذي هو ضد الوحدة والاجتماع.
قال الله عز وجل:
{ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ}([10]).
وكذلك قوله تعالى:
{ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ([11]).

4-  أن يكون المسلمون أولياء بعضهم للبعض الآخر
وأيضاً ذكر القرآن أسلوباً آخر للحث والتقريب والألفة بين المسلمين وهو أن يكون المؤمنون أولياء بعضهم للبعض الآخر يحب احدهم الآخر، وعندئذ تكون الرحمة قد نزلت عليهم لتآخيهم ومودتهم وحبهم فيما بينهم.
قال الله تعالى:{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}([12]).
إذن هذه أدلة صريحة تأمر المسلمين بشكل عام بكل ما يزيد المحبة بينهم، والنهي عن كل ما يولد البغضاء في صفوفهم، وتأمرهم صراحة بأن يكونوا إخوة، ولا يمكن للمسلمين أن يكونوا إخوة إلا إذا كانوا متحدين غير متفرقين، فإن الأخوة ضد الفرقة والاختلاف.

مبادئ وأسس تحقيق الوحدة الإسلامية:

لو أردنا أن نخلق الوحدة الإسلامية الحقة لابد أن نضع لها مبادئ وأسس من شأنها أن تقرّب بين المسلمين بصورة صحيحة وجادة نذكر منها ما يلي:

الأساس الأول: الإيمان الواقعي بالوحدة بين المسلمين.

وأقصد به أن يكون إيماننا بالوحدة إيماناً حقيقياً نابعاً من الشعور بالمسؤولية أمام الله وأمام الشعوب، وطرح هذا الأمر كمشروع ونظرية حقيقية لنرتقي به إلى المصالح العامة، ومن ثم وضع الخطوات الأساسية له من خلال التنسيق بين الدول الإسلامية كافة بشكل حقيقي وعلى أعلى المستويات، بحيث يشاع ويتركز هذا المفهوم  كخطاب وحدوي يؤمن به المسلمون بجميع أعراقهم ومذاهبهم.

الأساس الثاني: التركيز على القواسم المشتركة.

هناك نقاط كثيرة تجمع المسلمين وتوحدهم، سواء كان على مستوى العقيدة أو الفقه أو غيرها، ولنا تجربة ناجحة كما تقدم في مشروع الشيخ القمي والشيخ شلتوت ومحمد عبدة وجمال الدين الأفغاني والسيد شرف الدين والشيخ سليم البشري وغيرهم. فهناك قواسم مشتركة لابد من غرسها في أذهان الأمة الإسلامية وجني ثمارها بمشروع وحدوي لا يمكن أن يفت عضده أعداء الإسلام مهما جندوا له من أفكار مضادة.

الأساس الثالث: زرع ثقافة الحوار والرأي والرأي الآخر بحكمة وشفافية .

إن ثقافة الحوار هي مبدأ إسلامي ركز عليه القرآن، قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}([13]).
وقال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}([14]). فالعدو بغض النظر عن هويته كما نفهم من هذه الآية الشريفة عند الحوار بالتي هي أحسن، يخلق جواً هادئاً من الألفة بينهما بحيث يكون ولي وحميم، فكيف الحال لو كان الحوار بين الأخوة- أخوة الايمان وأخوة الدين والعقيدة- فيما بعضهم البعض، نعتقد أن الحوار هو لبنة مهمة في بناء الوحدة الإسلامية لكي يفهم بعضنا البعض ونذيب ما يعكر صفو الوئام بيننا ونجتمع على كلمة السواء.

الأساس الرابع: مبدأ التسامح والارتقاء الى روح المحبة والإخاء.

لعل واحدة من أهم المشاكل التي أدت الى انتكاس الأمة الإسلامية وتمزيقها هي أننا لم نتعلم منهج التسامح والحب للآخرين، فلا يوجد لدينا كأمة مسلمة منهج صحيح للتسامح؛ بل العنف وعدم تقبل الآخر هو السائد بيننا وواقعنا يشهد بذلك، فما لم نصلح هذا الحال فنقع فريسة الجهل الذي يخلق لنا مجتمع يسوده السباب والشتائم وبالتالي حمل السلاح ليوجهه لصدر أخيه المسلم، والنتيجة هي أمة ضعيفة منقسمة على نفسها مستضعفة لا حول لها ولا قوة بين شعوب العالم الطامحة الى الحضارة والرقي.

الأساس الخامس: المصارحة الفكرية والعقائدية وعدم إلزام الآخر بها.

فالوحدة لا تعني إلغاء الآخر أو إقصائه وقصره على اعتناق ما يؤمن به هو؛ بل الوحدة المطلوبة قوامها هو معرفة الآخر معرفة حقيقية ومن ثم بيان الحق الذي أوصله الدليل إليه، ومناقشة الأمور الخلافية بروح من التسامح ووضع الحلول المناسبة لها، من دون أن يلزمه بها، والنأي عن التشدد في الحوار المتشنج الذي من شأنه أن يفرق ولا يقرب؛ لان فهم الآخر له دور كبير في فتح العقول المنغلقة على ذاتها ونفسها فقط، فهو الصحيح المطلق دائماً وغيره الباطل المطلق، فالصورة التي يستبطنها عن الغير مشوهة مبهمة لأنه لم يقرأ فكر الآخر وكتبه وأدلته.
يقول الشيخ لطف الله الصافي عند تعرضه لهذا الأمر:
>لينظروا في أدلة (الشيعة) بكل إمعان وتدبر، فهذا هو الذي تطلبه الشيعة من كل باحث؛ لان ذلك لا يزيد الحق إلا وضوحاً كما أنه يرسخ التجاوب والتفاهم بين الطائفتين، ويؤكد الإخوة الإيمانية بينهما. فكم يوجد من أهل السنة من يراجع كتب الشيعة في التفسير والفقه، والكلام والأدب، ويقدر نبوغهم وجهودهم في العلوم الإسلامية ويعظم اتصاف علمائهم بالصدق والورع والأمانة، ويتعمق في آرائهم ومقالاتهم، وربما يأخذ بها كما يأخذ بآراء علماء طائفته؛ بل إنه بعد التحقيق يرجح في بعض المسائل مذهب الشيعة<([15]).
إذن فالانغلاق على الذات وعدم الانفتاح على الآخرين واتهامهم بالشرك والضلال من دون النظر إلى أقوالهم وأدلتهم، هذه الأمور بمجموعها تخلق لنا مجتمعاً متفرقاً ضعيفاً تسوده الصراعات الطائفية ويهيمن عليه الجهل, ونحن اليوم بأمس الحاجة لان يفهم أحدنا الآخر ويقترب منه فكرياً وروحياً بصورة حقيقية وواقعية وإن كان هناك اختلافا في بعض المسائل، وهذا هو الأمل من كل ما طرحناه في هذا البحث.
قال الدكتور مصطفى الرافعي في كتابه إسلامنا:
> إن الاختلاف سنة من سنن الاجتماع، وإنما التثريب عليهم في أن يتنازعوا ويتخاصموا ويتنابزوا بالألقاب، في وقت تنشط الأمم كافة إلى الترابط والتعاون والتناصر فيما بينها، ليسند بعضها بعضا، ويدفع بعضها عن بعض، ويكون بعضها في خدمة بعض ، ونحن المسلمين على اختلاف مذاهبنا أولى بهذا منهم، اعتمادا على ما يشد بعضنا إلى بعض من وشائج كثيرة، تأتي طليعتها وشيجة الأخوة الإسلامية { إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} ([16]).

ميثاق الوحدة عند الإمام علي عليه السلام

إن أمير المؤمنين يرسم آفاقاً في الوحدة بل وأدباً في الحوار ايضا،ً فكلماته عليه السلام دستور يجب أن يقتفى وميثاق يجب أن يحتذى في كل زمان ومكان ، ولنقتطف بعض من كلماته ...
قال عليه السلام:>الناس صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق<([17]).
وقال مخاطباً أصحابه : > كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين تشتمون وتتبرأون، ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم فقلتم: من سيرتهم كذا وكذا، ومن أعمالهم كذا وكذا، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر ، وقلتم مكان لعنكم إياهم، وبراءتكم منهم : اللهم احقن دماءهم ودماءنا، وأصلح ذات بينهم وبيننا، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق منهم من جهله ، ويرعوي عن الغي والعدوان منهم من لهج به - لكان أحب إلى وخيرا لكم. فقالوا : يا أمير المؤمنين، نقبل عظتك، ونتأدب بأدبك<([18]).
وقال أيضاً:>لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس مَنْ طلب الحقّ فأخطأه، كَمَنْ طلب الباطل فأدركه<([19]).
قال ابن أبي الحديد في شرحه لهذا الكلام:> مراده أن الخوارج ضلوا بشبهة دخلت عليهم، وكانوا يطلبون الحق، ولهم في الجملة تمسك بالدين، ومحاماة عن عقيدة اعتقدوها، وإن أخطئوا فيها<([20]).
نستنتج مما تقدم من كلماته ثلاثة قواعد مهمة يجب على كل مسلم الالتزام بها:
القاعدة الأولى: أن الإنسان أخو الإنسان في الدين ولم يقيده عليه السلام بقيد التشيع أو التسنن، وكذلك هم أخوه في الخلق في أصل الخلقة والمنشأ.
القاعدة الثانية:الالتزام بأدب الحوار فلا يجوز السب والشتم؛ بل يجب وصف مساوئ الأعمال بالتي هي أحسن، فتاثيرها يكون أبلغ وأنجع .
القاعدة الثالثة : وهي أنه قد يقع الخطأ في العقيدة للشبهة أو لغيرها، فلا يجوز هتك حرمة هذا الإنسان- أي إنسان كان- بغض النظر عن لونه وعرقه وهويته، ولو كان ممن خرج عليه وقاتله عليه السلام.
والشيعة تقتفي أثر هذا الإمام الهمام في وصاياه ولا يمكن أن تشذ عنه طرفة عين.
نسأل الله تعالى أن يوحد كلمة المسلمين وأن يأخذ بأيديهم لما فيهم الخير والصواب. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

* راجع كتاب عدالة الصحابة بين القداسة والواقع حوار تقريبي هادئ ؛ يحيى الدوخي ، ص 186-19

* ترجم هذا المقال باللغة الفارسية في مؤسسة فرهنكي علامه عسكري ؛

الرابط :  http://www.stinas.ir/index.php?reqid=asc_docno&takeit=view&id=258


---------------------
([1]) المؤمنون: 52.
([2]) الأنبياء:  92.
([3]) آل عمران: 103.
([4]) تفسير القرطبي: ج4ص159.
([5]) تفسير الميزان: ج3ص369.
([6]) الحجرات:  10
([7]) الأنفال: 1.
([8]) بحار الأنوار: ج71ص221.
([9]) صحيح البخاري: ج7ص88.
([10]) الأنفال: 45.
([11]) آل عمران: 105.
([12]) التوبة: 71.
([13]) النحل: 125.
([14]) شرح نهج البلاغة: ج3ص84.
([15]) لطف الله الصافي، مجموعة الرسائل: ص284.
([16]) مصطفى الرافعي، إسلامنا في التوفيق بين السنة والشيعة: ص 213.
([17]) شرح نهج البلاغة: ج3ص84.
([18]) شرح نهج البلاغة: ج3 ص 181.
([19])المصدر نفسه: ج5ص78.
([20]) المصدر نفسه: ج5ص78.

أضف تعليق


كود امني
تحديث