حديث أنا مدينة العلم - دراسة نقدية لآراء ابن تيمية والمعلمي - نشر هذا البحث في مجلة الاصلاح الحسيني - العدد الثالث ، لسنة 2013 م

مقدمة البحث

إن فضيلة العلم تُعد القمة والهرم والأساس لجميع الفضائل، وعلي (ع) هو من يملك هذه الفضيلة على الإطلاق، فلا يباريه أحد فيها، فهو مسدد القلب واللسان، وهذا ما نطق به خاتم الأنبياء ’ بدعائه له، وهناك روايات كثيرة بهذا المضمون وواحد من هذه الأحاديث هو حديث (علي باب مدينة العلم) فعلي عليه السلام هو الباب لمدينة علم رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا الباب ينفتح منه ألف باب، وهذا لا يمكن استغرابه؛ لأن علياً مسدد اللسان بدعاء النبي  وعلي ذو قلب عقول ولسان سؤول كما صرحت به الروايات كما سيأتي بيانها.

ولكننا نجد أن هذا الحديث قد ضُعف من قبل بعض من يدعي العلم (كابن تيمية والمعلمي) بلا وجه حق، فجاء هذا البحث لبيان ومناقشة هذه الآراء للوصول إلى الحق الذي يبتغيه كل منصف، وأن هذا الحديث في غاية الصحة من خلال مناقشتنا لآراء المعلمي وبياننا لطرق هذا الحديث في السنة النبوية وكثرة متابعاته وشواهده، وكذلك شهادة علماء أهل السنة بصحته، مع ترجمة وتوثيق لهؤلاء العلماء الذين قالوا بصحته ووثاقته.

 

مفاتيح الكلمات

   السنة النبوية، مدينة العلم، ابن تيمية، المعلمي، طرق الحديث، المتابعات والشواهد، علماء أهل السنة، تراجم الرجال.

سابقة البحث والجديد فيه

لا يخفى على طالب الحقيقة أن هذا الحديث قد طرقه الباحثين والمحققين بنوع من التفصيل كالشيخ العلامة الأميني في موسوعته الغدير والعلامة التستري في كتابه إحقاق الحق والعلامة السيد النقوي في خلاصة عبقات الأنوار التي شرحها السيد الميلاني، وكذلك المحدث البارع المحقق السيد أحمد الغماري في كتابه (فتح الملك العلي) .

وما كتبوه رضوان الله عليهم قد استوفى البحث. ولكن قد نجد من بعض العلماء لا سيما في عصرنا الحاضر من يناقش في بعض جوانب هذا الحديث، طاعناً فيه بدعوى: انه كان سابقاً يميل إلى اعتقاد قوة هذا الخبر، ولكن حينما تدبره وتـأمل فيه وجد انه كان ضعيفاً وإن صححه بعض العلماء.

وهذا الكلام هو للشيخ عبد الرحمن المعلمي، فهذا الرجل يعتبر من السلفيين المعاصرين، وقد أغدق عليه حواريوه بألقاب كثيرة منها انه (شيخ الإسلام) تشبيهاً بابن تيمية و(ذهبي العصر أو الذهبي الصغير) تشبيهاً بالذهبي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان صاحب الكتب الشهيرة، منها سير أعلام النبلاء وتاريخ الإسلام وتذكرة الحفاظ وغيرها، وسنأتي على ترجمته لاحقاً.

فجديد بحثنا هو مناقشتنا للشيخ المعلمي ذهبي العصر كما يدعى، الذي نظّر بشكل جديد قديم للطعن بهذا الحديث. وبالتبع سيتضح للقارئ العزيز وهن كلام ابن تيمية الذي ما أنصف في حكمه في تضعيف هذا الحديث والذي اعتمد فيه على ابن الجوزي الذي ادعى أن طرقه كلها ضعيفة؛ لذا سيكون بياننا لطرق هذا الحديث هو رد على ابن تيمية وابن الجوزي أيضاً .

خطة البحث:

مناقشتنا ستدور حول دعوى الشيخ المعلمي أولاً، وبالتبع سيتضح بطلان قول ابن تيمية الذي اعتمد على تضعيف ابن الجوزي، الذي ادعى أن طرقه ضعيفة، لذا سننقل الطرق والمتابعات لهذا الحديث وتصحيح علماء الجرح والتعديل الذين صرحوا بصحته، فخطة بحثنا ستكون على ثلاثة بحوث وهي كما يلي:

المبحث الأول: تفنيد مدّعيات الشيخ المعلمي بنوع من التفصيل.

المبحث الثاني: بيان طرق الحديث ومتابعاته وشواهده.

المبحث الثالث: تصحيح علماء أهل السنة للحديث وتوثيق هؤلاء الإعلام من خلال كتب التراجم.

 

تمهيد:

علم علي عليه السلام  في السنة النبوية

لا يشك إنسان حر، طليق الفكر ما لعلي × من غزارة من علم ونور وحكمة، وهذا العلم امتلأ به قلب علي وفاض بين جوارحه، ومن تأمل-بعين الإنصاف-السّنة النبوية، يجد فضائله قد ملأت الخافقين، فقد أخرج الحاكم النيسابوري في مستدركه بسنده عن محمد بن منصور الطوسي، يقول:>سمعت أحمد بن حنبل، يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه<([1]). وفي الاستيعاب لابن عبد البر، قال: >قال أحمد بن حنبل وإسماعيل بن إسحاق القاضي: لم يرو في فضائل أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان ما روى في فضائل علي بن أبي طالب، وكذلك قال أحمد بن شعيب بن علي النسائي رحمه الله <([2]).

وقال ابن الجوزي:>قال الإمام أحمد بن حنبل: ما لأحد من الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح مثل ما لعلي رضي الله عنه<([3]).

ودعا له رسول الله ’ بقوله: > اللهم اهد قلبه وسدد لسانه..< ([4]).

وقال عليه السلام عن نفسه: >كنت أدخل على رسول الله ليلاً ونهاراً، وكنت إذا سألته أجابني، وإن سكت ابتدأني، وما نزلت آية إلا قرأتها، وعلمت تفسيرها وتأويلها، ودعا الله لي ألاّ أنسى شيئاً علمني إياه، فما نسيت من حرام ولا حلال، وأمرٍ ونهي، وطاعة ومعصية، ولقد وضع يده على صدري وقال: اللهم، املأ قلبه علماً، وفهماً، وحكماً، ونوراً، ثم قال لي: أخبرني ربي عزّ وجلّ أنه قد استجاب لي فيك < ([5]).

وعن معاوية الذي يُعَد من ألَد أعداء علي × قال:

> كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يغرّ علياً بالعلم غرّاً<([6]).

وقال أيضاً عنه حين بلغه قتله: >والله لقد ذهب العلم والفقه بموت ابن أبي طالب<([7]).

وروى ابن حجر العسقلاني وابن عبد البر والسيوطي، عن أبي الطفيل , قال عليه السلام :

 >سلوني، فو الله لا تسألوني عن شئ إلا أخبرتكم، سلوني عن كتاب الله فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم بليل نزلت, أم نهار، أم في سهل, أم في جبل<([8]).

وقال عليه السلام: >والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت! وأين أنزلت! إن ربي وهب لي قلباً عقولا ولساناً سؤولا<([9]).

وعن عبد الله بن مسعود قال :

> إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلا له ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن< ([10]).

وعن عبد الله بن عباس قال :>علم النبي صلى الله عليه وآله من علم الله ، وعلم علي من علم النبي، وعلمي من علم علي، وما علمي وعلم الصحابة في علم علي إلا كقطرة في سبعة أبحر<([11]).

وعن عامر الشعبي، قال:> أعلم بما بين اللوحين من كتاب الله - بعد نبي الله - من علي بن أبي طالب< ([12]).

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعلي:> أنت تغسلني، وتواريني في لحدي، وتبين لهم بعدي <([13]).

وفي رواية: >أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي <([14]).

وعن عطاء قال: > كان عمر يقول: عليّ أقضانا للقضاء<([15]).

وعن أبي سعيد الخدري: أنه سمع عمر يقول لعلي وسأله عن شيء فأجابه، فقال له عمر: >نعوذ بالله من أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا حسن<([16]).

وعن سعيد بن المسيّب قال: >قال عمر بن الخطاب: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن <([17]).

واختم بقول ابن الأثير في أسد الغابة:

 بعد إيراده جمله من علمه ×، قال: >ولو ذكرنا ما سأله الصحابة مثل عمر وغيره لأطلنا<([18]). إذن نستجلي من هذه الأحاديث التالي:

1-  علي مسدد اللسان والقلب، وقلبه مملوء بالفهم والعلم والنور والحكمة.

2-  علي أعلم بكتاب الله من غيره؛ لأن الله وهب له قلباً عقولاً ولساناً سؤولا.

3-  رسول الله (ص) يغره بالعلم غرا .

4-  علي عنده علم الظاهر والباطن .

5-  علمه  من علم النبي وعلم النبي ’من الله فيكون علمه من الله تعالى مباشرةً .

6-  علم الصحابة في علم علي إلا كقطرة في سبعة أبحر .

7- علي  أعلم بما بين اللوحين من كتاب الله بعد رسول الله ’ .

8- علي  هو المبين للأمة بعد رسول الله ’.

9- الخليفة عمر يشهد بأن علي أقضاهم .

10- ويتعوذ أن يعيش في قوم ليس فيهم الامام علي، إشارة إلى حله للمعضلات العلمية التي يفتقدها الخليفة أو يصعب عليه فهمها.

فقهاء الإسلام ينهلون من علم علي عليه السلام

   أجمع الناس كافة على أن علي ابن أبي طالب عليه السلام كان أعلم أهل زمانه وسائر العلماء راجعون إليه ومتمسكون به ومعتمدون عليه في العلوم العقلية والنقلية ، أما الشيعة فرجوعهم واضح إليه لا يأخذون إلا عنه.

 وأما علماء الكلام المعتزلة: فأولهم وشيخهم أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية وهو تلميذ أبيه محمد ومحمد بن الحنفية تلميذ أبيه علي (ع)

 وأما الأشاعرة : فينتهون إلى أبي الحسن ابن أبي بشير الأشعري وهو تلميذ الجبائي أبي علي وهو أحد مشايخ المعتزلة. فبالتالي رجوع إليه عليه السلام .

 وأما الفقهاء الأربعة وغيرهم فكلهم يرجعون إليه.

 فالحنفية: مثل أبي يوسف ومحمد ينتمون إلى أبي حنيفة النعمان بن ثابت وهو تلميذ أبي عبد الله الصادق عليه السلام.

وينتهي علم الصادق بواسطة أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه أمير المؤمنين × عن رسول الله ’ .

وأما الشافعية: فإنهم ينتمون إلى محمد ابن إدريس الشافعي وهو تلميذ محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة ، وأبي حنيفة تتلمذ على يد الصادق .

وأما الحنابلة: فإلى أحمد ابن حنبل وهو تلميذ الشافعي فرجع فهمه إليه .

وأما المالكية: فإلى أنس بن مالك صاحب كتاب الموطأ المدني، وهو تلميذ ربيعة وربيعة تلميذ عكرمة وعكرمة تلميذ ابن عباس وابن عباس تلميذ علي بالاتفاق .

 وأما المفسرون: فالمفسرون مرجعهم إلى علي× وإلى ابن عباس كما هو ظاهر من كل كتب التفسير .

وأما أهل الطريقة: فإلى علي × ينتهون كما صرح به الشبلي والجنيد والسري وأبو زيد البسطامي ومعروف الكرخي وغيرهم من الصوفية .

وأما علم العربية فإليه أيضاً يرجعون؛ لأنه الواضع والمؤسس لعلم العربية، وقد اتفق أهل النقل على ذلك ، فهو عليه السلام أملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه([19]). فهل بعد ذلك نستغرب أن يكون علياً هو رأس الفضائل كلها كما صرح أحمد بن حنبل وغيره .

علي باب مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله

بعد هذه المقدمة الموجزة عن علمه عليه السلام والتي روتها السنة النبوية المطهرة ، ومن طرق علماء أهل السنة، وبأسانيد لا يشك في صحتها؛ لتواترها إجمالاً وشهرتها ، والواقع يطابقها بحسب الشواهد الروائية التأريخية التي دلت على ذلك .

إذن فلا غرو أن يكون علياً هو الباب لمدينة علم رسول الله ’ ، ولكن مع كل هذه التقريرات النبوية، إضافة إلى أقوال الصحابة والتابعين التي دلت وأكدت علمه، وأنه في منزلة ومرتبة لا يمكن لأحد أن يصل إليها.

تضعيف ابن تيمية لحديث (مدينة العلم)

مع هذا كله جاء من يشكك ويضعف منقبة من مناقبه طالما رددها رسول لله ’على مسامعهم ألا وهي فضيلة كون علي × هو باب مدينة رسول الله الذي ينفتح منه ألف باب من العلم المعرفة .

قال ابن تيمية:>وحديث أنا مدينة العلم و علي بابها، أضعف وأوهى؛ ولهذا إنما يعد في الموضوعات، وإن رواه الترمذي. وذكره ابن الجوزي وبين أن سائر طرقه موضوعة.. <([20]).

تضعيف المعلمي ([21]) ، للحديث

ثم جاء المعلمي مقتفياً أثر أشياخه ليتحفنا بفتح جديد وهو: إعادة النظر والتدبر في هذا الحديث، بعد أن كان يعتقد بصحته ، وبعد طول تدبر، وصل لنتيجة مؤداها تضعيف هذا الحديث.

قال في كتاب الفوائد المجموعة :

> كنت من قبل أميل إلى اعتقاد قوة هذا الخبر حتى تدبرته ، وله لفظان الأول ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ) والثاني ( أنا دار الحكمة وعلي بابها) ولا داعي للنظر في الطرق التي لا نزاع في سقوطها ، وانظر فيما عدا ذلك على ثلاثة مقامات:

 المقام الأول : سند الخبر الأول إلى أبي معاوية والثاني : إلى شريك ، روى الأول عن أبي معاوية ، أبو الصلت عبد السلام بن صالح وقد تقدم حال أبي الصلت ..

المقام الثاني: على فرض أن أبا معاوية حدث بذاك . وشريكاً حدث بهذا ، فإنما جاء ذاك ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن مجاهد .. وأبو معاوية ، والأعمش ، وشريك ، كلهم مدلسون متشيعون .

 فإن قيل : إنما ذكروا في الطبقة الثانية ، من طبقات المدلسين ، وهي طبقة من ( احتمل الأمة تدليسه ، وأخرجوا له في الصحيح )

قلت : ليس معنى هذا أن المذكورين في الطبقة الثانية تقبل عنعنتهم مطلقاً ، كمن ليس بمدلس البتة ، إنما المعنى أن الشيخين انتقيا في المتابعات ونحوها في معنعناتهم ، ما غلب على ظنهما أنه سماع ، أو أن الساقط منه ثقة ، أو كان ثابتاً من طريق أخرى ، ونحو ذلك كشأنهما فيمن أخرجا له ، ممن فيه ضعف ، وقد قرر ابن حجر في نخبته ومقدمة اللسان ، وغيرهما ، أن من نوثقه ، ونقبل خبره من المبتدعة ، يختص ذلك بما لا يؤيد بدعته ، فأما ما يؤيد بدعته ، فلا يقبل منه البتة .

المقام الثالث : النظر في متن الخبر .كل من تأمل منطوق الخبر ، ثم عرضه على الواقع ، عرف حقيقة الحال ، والله المستعان<([22]).

وكما تقدم في خطة بحثنا سوف نشرع في مناقشة أقوال المعلمي ثم ننتقل للفصول اللاحقة وهي بيان طرق هذا الحديث ومن صححه .

 

المبحث الأول : تفنيد مدعيات الشيخ المعلمي بنوع من التفصيل

سوف نضع كلام المعلمي في ضوء النقاش العلمي والموضوعي؛ لذا سوف نأخذ عيّنات من كلماته ونردّ عليها :

أما قوله : ولا داعي للنظر في الطرق التي لا نزاع في سقوطها ...

    الجواب :

الحديث يتقوى بتعدد الطرق والمتابعات

الظاهر أن الشيخ أغمض عينيه عن مجموع الطرق الكثيرة التي بلغت من الكثرة، بحيث نستطيع القول أن هذا الحديث متواتر تواتراً إجمالياً ، فقد ذكره جمع  من الصحابة ، كأمير المؤمنين ، والإمام الحسن ، والإمام الحسين ^وعبد الله بن عباس ، وجابر بن عبد الله ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمر ، وعمرو بن العاص ، وحذيفة بن اليمان ، وأنس بن مالك ومتابعاته وشواهده كثيرة جداً ..وسيأتي الكلام مفصلاً حول تلك الطرق . فليس الحديث ساقط ؛ بل أن أعلام أهل السنة صححوه كالحاكم النيسابوري وابن حجر والسيوطي.. فالحكم بسقوط تلك الطرق أول الكلام .

 ونعتقد أن الشيخ يؤمن بذلك ؛ لأن منشأ اعتقاده وميله - إلى قوته كما يدعي - كان بحسب تعدد الطرق لهذا الحديث، وهو الملم بهذا الأمر ولا يخفى على أمثاله .

قال ابن حجر ، في حديث مشابه لهذا الحديث([23]). ضعفه ابن الجوزي :> قول ابن الجوزي في هذا الحديث باطل، وأنه موضوع ، دعوى لم يستدل عليها ... وهذا إقدام على رد الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم ، ولا ينبغي الإقدام على الحكم بالوضع، إلا عند عدم إمكان الجمع ، ولا يلزم من تعذر الجمع في الحال، أنه لا يمكن بعد ذلك ؛ لأن فوق كل ذي علم عليم .

ثم قال : وهذا الحديث من هذا الباب: هو حديث مشهور له طرق متعددة ، كل طريق منها على انفراده لا يقصر عن رتبة الحسن ، ومجموعها مما يقطع بصحته، على طريقة كثير من أهل الحديث<([24]).

لذا عندما سُؤل الحافظ ابن حجر عن هذا الحديث[ مدينة العلم]، قال:> إن تلك الأحاديث التي ادعي وضعها - ومنها حديث الباب - لم يتبين أن فيها حديثاً واحداً يتأتى الحكم عليه بالوضع<([25]).

وكذلك نجد أن ابن تيمية شيخ المعلمي واستاذه يقرر هذه القاعدة: أن الحديث لو لم يصل ويثبت عند المجتهد سواء كان هذا الحديث في سنده مجهول أو قطع أو متهم؛ بل لو كان سيء الحفظ ، وكانت هناك طرق أخرى له ، فيصح الحديث بالمتابعات والشواهد .

قال:>  السبب الثاني أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده إما لأن محدثه أو محدث محدثه أو غيره من رجال الإسناد مجهول عنده أو متهم أو سيء الحفظ، وإما لأنه لم يبلغه مسنداً بل منقطعا أو لم يضبط لفظ الحديث، مع أن ذلك الحديث قد رواه الثقات لغيره بإسناد متصل بأن يكون غيره يعلم من المجهول عنده الثقة، أو يكون قد رواه غير أولئك المجروحين عنده، أو قد اتصل من غير الجهة المنقطعة، وقد ضبط ألفاظ الحديث بعض المحدثين الحفاظ، أو لتلك الرواية من الشواهد والمتابعات ما يبين صحتها ... فان الأحاديث كانت قد انتشرت واشتهرت لكن كانت تبلغ كثيراً من العلماء من طرق ضعيفة وقد بلغت غيرهم من طرق صحيحة غير تلك الطرق فتكون حجة من هذا الوجه< ([26]).

إذن نستنتج أن طريقة أهل الحديث والمحدثين فيما لو تعددت الطرق والمتابعات فالحديث يرقى إلى الصحة أو الحسن - وسنأتي على تعدد هذا الحديث ومتابعاته وشواهده في الفصل الثاني -  فكلام المعلمي مجرد وهم وخال من الدليل والبرهان لا ينبغي المجازفة في تضعيفه.

 أما قوله: المقام الأول : سند الخبر الأول إلى أبي معاوية والثاني : إلى شريك ، روى الأول عن أبي معاوية، أبو الصلت عبد السلام بن صالح وقد تقدم حال أبي الصلت ..

 الجواب

أبو الصلت الهروي بين التوثيق والتضعيف:

قد حكم المعلمي بضعف أبي الصلت الهروي ؛ ولكن قبل أن نبدي رأينا فيه لابد أن نخضع البحث للمصداقية، فنضع الرجل في مقص ورقيب ومجهر علماء الجرح والتعديل بمجموع من وثقه ومن جرحه، ونناقش أو نحاكم تلكم الأقوال وفق الضوابط والمباني الرجالية التي يؤمن بها الشيخ المعلمي . بعكس ما فعله، بحيث نجد أنه حكم بضعفه، ولم ينقل كلام أساطين الفن الذين وثقوه كابن معين وابن حجر وغيره.. وهذا عيب ظاهر .

وللعلامة اللكنوي كلام دقيق، وفي نفس الوقت شديد على من تمسك بالجرح وترك التعديل والعكس صحيح ، حيث بعد إيراده كلام للذهبي، قال :

> وقال الذهبي في ميزانه في ترجمة أبان من يزيد العطار : قد أورده أيضا العلامة ابن الجوزي في الضعفاء ولم يذكر فيه أقوال من وثقه، وهذا من عيوب كتابه يسرد الجرح ويسكت عن التوثيق (انتهى كلام الذهبي)

 قلت( أي اللكنوي): هذه النصوص لعلها لم تقرع صماخ أفاضل عصرنا وأماثل دهرنا،  فان شيمتهم أنهم حين قصدهم بيان ضعف رواية ينقلون من كتب الجرح والتعديل، الجرح دون  التعديل، فيوقعون العوام في المغلطة، لظنهم أن هذا الرواي عار عن تعديل الأجلة. والواجب عليهم: أن ينقلوا الجرح والتعديل كليهما، ثم يرجحوا حسبما يلوح لهم احدهما. ولعمري تلك شيمة محرمة وخصلة مخرمة<([27]). إذن لنأخذ عيّنات ممن قالوا بتوثيقه وتضعيفه ومن ثم نناقشها .

الموثقون :

 1- ابن معين، وهو من أكابر علماء الجرح والتعديل :> قال ابن محرز : سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت ، فقال : ليس ممن يكذب . وقال عباس : سمعت ابن معين ، يوثق أبا الصلت< ([28]).

2- الحاكم النيسابوري،  قال:> وأبو الصلت ثقة مأمون، فإني سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب في التاريخ يقول سمعت العباس ابن محمد الدوري يقول سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي فقال ثقة فقلت أليس قد حدث عن أبي معاوية عن الأعمش: أنا مدينة العلم ؛ فقال قد حدث به محمد بن جعفر الفيدي وهو ثقة مأمون<([29]).

3- الخطيب البغدادي، قال:> وكان صاحب قشاف ، وهو من آحاد المعدودين في الزهد .. وقال أيضاً : أخبرني عبيد الله بن عمر الواعظ .. حدثنا عمر بن الحسن بن علي بن مالك قال: سمعت أبي يقول : سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي فقال : ثقة صدوق إلا أنه يتشيع < فالخطيب يميل إلى توثيقه تبعاً لتوثيق ابن معين.

4- ابن حجر العسقلاني، قال> عبد السلام بن صالح بن سليمان أبو الصلت الهروي مولى قريش نزل نيسابور صدوق له مناكير، وكان يتشيع وأفرط العقيلي فقال كذاب<([30]).  فابن حجر يرى حسنه .

المضعفون :

أما المضعفون لأبي الصلت فقد أحصاهم المزي في موسوعته تهذيب الكمال ، وهم كما يلي :

1- النسائي:> ليس بثقة . وقال عبد الرحمان بن أبي حاتم: سألت أبي عنه ، فقال : لم يكن عندي بصدوق ، وهو ضعيف ، ولم يحدثني عنه<

2- أبو زرعة :> فأمر أن يضرب على حديث أبي الصلت ، وقال : لا أحدث عنه ولا أرضاه<

3- إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: >كان أبو الصلت الهروي زائغا عن الحق مائلا عن القصد<

4- الدار القطني:> قال أبو بكر البرقاني عن أبي الحسن الدار قطني ، كان رافضياً خبيثاً<([31]).

5- الذهبي :> الشيخ العالم العابد ، شيخ الشيعة ، أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي، ثم النيسابوري مولى قريش ، له فضل وجلالة فيا ليته ثقة<  ([32]). فالذهبي يقر بكونه شيخاً عابداً وله فضل وجلالة ولكن يتمنى كونه ثقة .

أقول: الم يصدق أو ألا يكفي في صدق هذه الأمنية كونه رضوان الله عليه عابداً وفي بعض التراجم من المعدودين في الزهد -كما تقدم في كلام الخطيب البغدادي- أم أن هناك سبباً آخر يمنع الذهبي من توثيقه!! وسوف نناقش هذا الأمر بإنصاف وحكمة ونضع الأمور في نصابها الصحيح .

مناقشة المضعفين لأبي الصلت الهروي

بعدما تقدم من قد ذكر تضعيف أبي الصلت لابد أن نضع أيدينا على بعض الأسس والقواعد التي أرتآها أرباب الجرح والتعديل في قبول أو رد تلكم الأقوال.

القاعدة الأولى : التضعيف والتوثيق للرواة أمر اجتهادي

قال التهانوي: > إن تضعيف الرجال وتوثيقهم وتصحيح الأحاديث وتحسينها أمر اجتهادي ولكل وجهة ، فيجوز أن يكون راو ضعيف عند واحد ثقة عند غيره وهذا يدل عليه قول العلامة ابن تيمية في كتابه رفع الملام : ومعرفة الرجال علم واسع ، وللعلماء بالرجال وأحوالهم في ذلك من الإجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم من سائر أهل العلم في علومهم<([33]).

وقال أيضاً معقباً على كلام ابن جرير الذي صحح حديث مدينة العلم:> وقال ابن جرير هذا خبر صحيح سنده وقد يجب أن يكون عند الآخرين سقيماً < قلت:> دل كلام ابن جرير على اختلافهم في شروط صحة الحديث وتوثيق الرجال< ([34]).

إذن نفهم من ذلك أنه ليس بالضرورة أن يكون الحديث ضعيفاً فد يرى بعض العلماء ومن له خبرة في مجال الحديث سنداً ومتناً فقد توجد شروط صحيحة للحديث فيتم تصحيحة والعكس صحيح ايضا وخير مثال ما نحن فيه فحديث الباب قد صححه كبار الائمة كابن جرير وابن معين وغيره .وذلك طبقاً لاجتهادهم الذي أوصلهم لهذه النتيجة، وأما ان نحكم بالمطلق بضعف هذا الحديث فهذا الكلام غير دقيق .

القاعدة الثانية :الجرح لا يُقبل إلا مفسراً

أن الجرح للرواة لابد أن يفسر على الحقيقة وأن نجد هناك تصريحاً واضحاً في جرحه، مثلاً قولهم أنه يكذب ، وليس فقط يكذب بل بيان ماهية الكذب وانه سمعه ، وأن يقيم الدليل على ذلك ، بحيث يُطمئن بمصداقية الجارح للراوي، وهناك جملة من الشروط لخصها العلامة احمد بن الصديق المغربي بقوله:

> الجرح المفسر يقبل من الجارح ما هو جرح حقيقة ، كقوله فلان كذاب؛ لأنه حدث عن فلان وادعى السماع منه وقد مات قبل ولادته أو قبل دخوله لبلده أو سئل الشيخ عن الحديث فأنكره، وأبدى دليلاً على عدم سماعه له أو أقر على نفسه بالكذب ، أو زاد في النسخة ، أو أدخل نفسه في الطباق ، أو كان يترك الصلاة ، ويقيم الدليل على ذلك كما فعل بعضهم مع بعض الحفاظ.. ويطرح ما ليس بجرح ، لهذا فلا يقبل خصوصاً مع معارضه التعديل ، وعلى هذا استقر صنيع جميعهم وصرح به أكثرهم في أصول الفقه والحديث كما هو معروف<([35]). وهذه القاعدة مشهورة على لسان المحدثين فلا نطيل الكلام فيها .

فلو تتبعنا كلمات الجارحين كما تقدم فلم نجدهم يبينوا لنا ماهية هذا الجرح سوى تهمته بالتشيع وكونه جلداً  أو انه رافضي خبيث ، قال الذهبي :> عبد السلام بن صالح ، أبو الصلت الهروي الرجل الصالح ، إلا أنه شيعي جلد<([36]).  فلم يشفع له صلاحه؛ لأنه شيعي جلد . فلو طبقنا معيار وكلام العلامة الغماري فهل نستطيع أن نقول أن هذا جرح مفسر ؟ بالطبع كلا ؛ى لأنه لا يوجد دليل على ذلك، وسنثبت ذلك بالتقرير التالي .

ما هو المراد من الشيعي الجلد وهل يصدق عليه الجرح ؟

الذهبي يعطي المعيار

من خلال متابعتنا لكلمات الذهبي يتضح معنى الشيعي الجلد؛ وذلك من خلال ترجمته لأبان بن تغلب ، قال:> أبان بن تغلب الكوفي شيعي جلد، لكنه صدوق ، فلنا صدقه وعليه بدعته<([37]).  فالشيعي الجلد صاحب بدعة، والبدعة لها أقسام كما يفسرها الذهبي ؟ .

ثم يتساءل الذهبي قائلاً :> فلقائل أن يقول : كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة العدالة والإتقان ؟ فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة ؟

وجوابه : إن البدعة على ضربين : فبدعة صغرى كغلو التشيع ، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف ، فهذا كثيراً في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق ، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية ، وهذه مفسدة بينة .

ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه ، والحط على أبي بكر وعمر ، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة...ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلاً ، بل قد يعتقد علياً أفضل منهما <([38]).

فيرى الذهبي من خلال ما تقدم من هذا التقسيم للبدعة- بنظره - أن أبان بن تغلب صاحب بدعة صغرى، والبدعة الصغرى معيارها ؟

1-  الغلو في التشيع .

2- وعدم الحط على الشيخين .

3- واعتقاد أن علياً هو الأفضل ممن سبقوه .

فأبان مع بدعته حاله كحال التابعين وتابعي التابعين مع الدين والصدق، ولو رد حديثه لذهب وسقطت جملة كبيرة من الأحاديث النبوية ولازم ذلك هو الفساد الواضح. لذا وثّقه .

مناقشة الذهبي

لو سألنا الإمام الذهبي ، وقلنا له أن أبا الصلت الهروي لا يختلف عن أبان فلماذا تضعّفه ؟ فمن حيث الصدق أنت المصرح بنقلك عن ابن معين :> فقال : ليس ممن يكذب< ([39]).  

   وأنت القائل أن أبا الصلت :> الشيخ العالم العابد...له فضل وجلالة <([40]) . فهو صادق وعابد . وهو أيضا على معتقدكم كما تروي في سير أعلام النبلاء انه :> كان يرد على أهل الأهواء من الجهمية المرجئة والقدرية ، .. ورأيته يقدم أبا بكر، ولا يذكر الصحابة إلا بالجميل<([41])

فلو طبقنا ذلك المعيار الذي ذكره الذهبي لوجدنا تهافتاً واضحاً ، فأبا الصلت لم يتعرض للشيخين؛ بل على مبناه أنه يقدم أبا بكر ويذكر الصحابة بالجميل – كما يدّعي ويروي-  فلماذا لم يقل : فلنا صدقه وعليه بدعته؟!

لذا نجد أن السيد ابن عقيل الشافعي في كتابه العتب الجميل يستغرب هذا التناقض:> وأقول من الغريب أن حبه وتقديمه لأبي بكر وعمر لم يشفع له عند الطاعنين فيه لتشيعه، وكأنهم لا يرضيهم إلا لعن علي وذمه وذم أهل البيت، وتكذيب ما ورد فيهم من المناقب< ([42]).

 نعتقد أن العصبية أخذت مأخذها من الذهبي بحيث صدّته عن الصدع بكلمة الحق ، ورحم الله السيد محسن الأمين حينما خاطبه قائلاً :  

> إذا كان الذهبي يعد ولاء أهل البيت وتفضيلهم وتقديمهم على غيرهم، واخذ أحكام الدين عنهم وهم أحد الثقلين ومثل باب حطة وسفينة نوح بدعة، ويسميه غلوا ورفضاً كاملاً، ويرد الرواية لأجله، فهذه هي البدعة والنصب الكامل والغلو فيه، وحاشا أن يكون في ذلك بدعة صغرى أو كبرى، وإنما أخذوا دينهم وأحكامهم عن أئمة أهل البيت الطاهر، واقتدوا بهم وهم أعلم بسنة جدهم صلى الله عليه وآله وسلم من الذهبي وغيره < ([43]).

القاعدة الثالثة : العبرة في الرواية بصدق الرواي وصيانة كلامه عن الكذب

مما تقدم في كلمات الامام الذهبي أن أبا الصلت صادق في الكلام لا يحدث إلا بصدق ، والإمام المزي كذلك يروي في تهذيبه :> عن إبراهيم بن عبد الله الجنيد، قال:  سمعت يحيى وذكر أبا الصلت الهروي . فقال : لم يكن أبو الصلت عندنا من أهل الكذب< ([44]).

لذا فعلماء الجرح والتعديل قرروا قاعدة مفادها أن المحور في قبول الروايات والأحاديث هو بكون من يرويها أنه صادق لا يكذب. لذا نجد في كلمات الأعلام أن من قال بتبديع بعض الرواة لا يلتفت إليه؛ لان المعيار في قبولها هو الصدق والأمانة في النقل .

قال العلامة أحمد محمد شاكر، معقباً على من تكلم في روايات المبتدع نفياً وإثباتاً  :>وهذه الأقوال كلها نظرية، والعبرة في الرواية بصدق الراوي، وأمانته والثقة بدينه وخلقه، والمتتبع لأحوال الرواة يرى كثيراً من أهل البدع موضعاً للثقة والاطمئنان، وإن رووا ما يوافق رأيهم<([45]).  فيرى هذا المحقق أن صاحب البدعة - على فرض كونها بدعة- لو روى ما يوافق ويتلاءم مع رأيه، أيضاً تقبل رواياته؛ لصدقه وأمانته فيما ينقل ويحدث .

فالعدالة المراد بها في الحقيقة هو صدق الراوي وتجنبه للكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله خاصة لا لمطلق الكذب ولا لغيره من المعاصي ([46]).

ولعل قائلاً يدعي: أن هذا الناقل لهذه الروايات ليس عادلاً؛ لأنه يعتقد بخلاف ما نعتقد به؟

نقول: هذا الكلام أجاب عنه الامام مالك، كا يروي الغماري :> فهذا مالك الذي كان يتشدد في قبول الرواية عن المبتدعة، وينهى عنها، يروي عن جماعة عرفوا بخلافهم العقائدي، كثور بن زيد الديلي، وداود بن الحصين، وثور بن يزيد الشامي، وهم خوارج قدرية، وعدي بن ثابت، وهو شيعي ، بل قالوا فيه: رافضي وغيرهم، وعند ما سئل مالك: كيف رويت عن داود بن الحصين، وثور بن زيد، وكانوا يرمون بالقدر؟ قال في جوابه عن ذلك: كانوا لأن يخروا من السماء إلى الأرض أسهل عليهم من أن يكذبوا كذبة! <([47]).  

وتعبير الامام مالك فيه نكتة دقيقة أن هؤلاء الرواة لو خُيروا ، أن يسقطوا من السماء إلى الأرض على أن يكذبوا ما كذبوا ، وهذا دليل على صدق رواة الشيعة ، وأن ديدنهم هو الأمانة في النقل ، وكلام الشافعي يدعم هذه الحقيقة ، قال:> إبراهيم بن يحيى الشيعي، وقيل فيه أيضاً: رافضي، لما سئل عن الرواية عنه، قال : لأن يخر إبراهيم من جبل أحب إليه من أن يكذب ، وكان ثقة في الحديث ، ولهذا كان يقول : حدثنا الثقة في حديثه المتهم في دينه<([48]).

إذن الملاك في التوثيق هو الصدق والأمانة وعدم الكذب، بغض النظر عن ما يُدعى في حق الرواة من كلام .

القاعدة الرابعة : التوقف في قول الجارح إذا كان بسبب العقيدة

قد اتضح في القاعدة الثالثة في كلمات الأعلام أن للصدق في النقل محورية في قبول الرواية، ولو كان شيعياً أو رافضياً -كما يعبرون – والشيعي يعتنق مذهباً يخالف الجارح أو المعدل، أو بتعبير آخر يخالف من يقيّمه في كونه ثقة أو غير ثقة؛ من هنا قرر علماء هذا الفن أن للعقيدة مدخلية في القبول والرد ؛ فعلم الجرح والتعديل لابد أن يقف موقف المحايد، فدائرة هذا العلم يجب أن تقف موقفاً مغايراً لما قد يشوبه من تحيز، بحيث لايمكن ولا يصح أن يجرح الراوي خلافاً لما هو ثابت من كونه صادقاً فيما يرويه، وان كان مخالفاً لعقيدة الجارح .

من هنا نجد أقوال العلماء في هذا الشأن قد شددت النكير على من جرح الرجال لهذه العلة.   

قال ابن حجر:> وممن ينبغي أن يتوقف في قبوله قوله في الجرح، من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد< ([49]).  

وقال السبكي:>ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح : حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح ، فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه بذلك. وإليه أشار الرافعي بقوله : وينبغي أن يكون المزكون برآء من الشحناء والعصبية في المذاهب، خوفا من أن يحملهم على جرح عدل أو تزكية فاسق ، وقد وقع هذا لكثير من الأئمة ، جرحوا بناء على معتقدهم ، وهم المخطئون والمجروح مصيب<([50]).  

وقال الشيخ حسن بن فرحان المالكي:> ولعل ابرز آثار العقيدة على الجرح والتعديل عند الحنابلة تضعيف ثقات المخالفين- أي الشيعة-  وتوثيق ضعفاء الموافقين، ومن ذلك: تضعيف ثقات الشيعة وخاصة فيما يروونه في فضائل علي<([51]).

ومعلوم أن أبا الصلت الهروي  هو من رواة فضائل أهل البيت عليهم السلام لاسيما هذا الحديث الذي نحن بصدده، وهو أيضاً من خواص أصحاب الإمام الرضا عليه السلام .

إذن وفقاً لهذه القاعدة لا نحكم بقبول الجارح بل جرحه مردود؛ سيما إذا ضممنا إليها كونه ليس من أهل الكذب، فهو ذلك الرجل الأمين والصادق .

القاعدة الخامسة: التشدد  والتعنت في الجرح يُسقط قول  الجارح في الرواة

أضف إلى ذلك أن من أتهم أبا الصلت كان بعضهم متشدد متعنت في تقييم الرجال  ، وقد تقرر عند علماء الجرح والتعديل الجارح أن المتشدد يرد جرحه؛ ولابد أن ينظر في جرحه هل وافقه غيره في الجرح .

قال الذهبي في تصنيفه للناقدين:> منهم متعنت في الجرح متثبت في التعديل ، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث فهذا إذا وثق شخصا فعض على قوله بنواجذك وتمسك بتوثيقه ، وإذا ضعف رجلا فانظر : هل وافقه غيره على تضعيفه<([52]).

ووفقاً لهذه القاعدة فلو أسقطنا هذا الكلام على واقع أبي الصلت لو جدنا أنه ناشئ من تعصب وتعنت وتحامل ، فكل ما ابتلي به من هذا التضعيف هو نقله لهذه الفضيلة لعلي ×.

لذا نجد بعض الضمائر المنصفة نطقت بهذه الحقيقة ، قائلاً :> هو منهم تحامل لا دليل عليه ولا موجب له سوى موالاته لأهل البيت كعادتهم مع غيره< ([53]).

ولهذا نعتقد أن يحيى ابن معين ضاق ضرعاً بمن قال بضعفه، بحيث قال :> ما تريدون من هذا المسكين ؟ ! أليس قد حدّث به محمد بن جعفر الفيدي<([54]). ومعلوم أن الفيدي ثقة .

فتضعيف الجوزجاني والنسائي لا عبرة به، فكلاهما من المتشددين؛ لا سيما إذا لاحظنا توثيق البعض لأبي الصلت كابن معين والخطيب وابن حجر وغيرهم، وأيضا تصريحهم بكونه من الرواة الصادقين في النقل . بل وصل الحال بالجوزجاني الانحراف عن علي × ووصفوه بعض الحفاظ بالنصب ، قال الحافظ ابن حجر :> وكتابه في الضعفاء يوضح مقالته ورأيت في نسخة من كتاب ابن حبان : حريزي المذهب ، وهو بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وبعد الياء زاي نسبة إلى حريز بن عثمان المعروف بالنصب وكلام ابن عدي يؤيد هذا< ([55])

وقال أيضاً :> فإن الحاذق إذا تـأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجـاني لأهل الكوفة رأى العجب؛ وذلك لشدة انحرافه في النصب، وشهرة أهلها بالتشيع فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة وعبارة طلقة، حتى أنه أخذ يلين مثل الأعمش وأبي نُعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية< ([56])

إذن كيف يمكن الوثوق والاطمئنان بالجارح إذا كان متشدداً؛ بل وكان فيه انحراف عن علي × فالنتيجة الطبيعية أن يكون منطلق كلامه وتقييمه للرواة ناشئاً من تعصب وتجن، وليس تحر وتدقيق في طلب الحق .

القاعدة السادسة: إذا اختلف في التوثيق والتضعيف ولم يكن الجرح مفسراً فيُقدم التعديل

ثم لو تنزلنا عن كل ما سبق فإن أبا الصلت الهروي قد اختلف في توثيقه وتضعيفه ، لاسيما ما تقدم من مناقشتنا لأقوال المضعفين ، وأن الجرح الذي اتهم به لم يكن مفسراً ، كما تقدم في القاعدة الثانية ، فالحق أن يكون أبو الصلت ثقة ويقدم قول الموثقين له.

لذا قرر العلماء قاعدة مفادها :> أن التعديل مقدم على الجرح إلا إذا كان مفسراً ،  فإذا اختلف في التوثيق والتضعيف ولم يكن الجرح مفسراً ، فالراوي ثقة، عند الأكثرين< ([57]).

 ولعل الحافظ ابن دقيق والمنذري وابن حجر استندوا لهذه القاعدة، في توثيق المختلف فيه.

 قال ابن دقيق العيد في نصب الراية: >وسنان بن ربيعة أخرج له البخاري، وهو وان كان لين الحديث، فقد قال ابن عدي: أرجو أن يكون لا باس به, وقال ابن معين: ليس بالقوي، فالحديث عندنا حسن<([58]).

قال المنذري في مقدمة الترغيب والترهيب في حكم ما يرويه محمد بن إسحاق بن يسار: >وبالجملة فهو ممن اختلف فيه، وهو حسن الحديث<([59]).

قال ابن حجر العسقلاني في القول المسدد عن قزعة بن سويد بن حجير الباهلي البصري: >قال فيه ابن معين مرة ضعيف ومرة  ثقة، وقال أبو حاتم محله الصدق وليس بالمتين, يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقال البزار: ليس بالقوي، وقال العجلي: لا بأس به وفيه ضعف< ومع كل هذا الاختلاف فقد حكم عليه ابن حجر  أن حديثه في مرتبة الحسن ([60]).

   وقال أيضا في تهذيب التهذيب في ترجمة عبد الله بن صالح كاتب الليث: >عن ابن القطان قوله فيه: هو صدوق، ولم يثبت عليه ما يسقط حديثه؛ إلا أنه مختلف فيه، فحديثه حسن<([61]).

خلاصة ما تقدم:

إذن من خلال ما تقرر من القواعد الآنفة الذكر قد تبين أن التهم الموجهة لأبي الصلت لا ترتقي إلى الاعتبار، وذلك بلحاظ الأمور التالية:

أولاً: أن التوثيق والتضعيف أمر يخضع لاجتهاد العلماء فقد يحكم البعض بالتوثيق والآخر بالعكس منه، لبعض القرائن التي يقويها وبالتالي يحكم على طبقها ، فلا يمكن أن نتعبد بمن قال بضعفه، بل لعل الصواب هو التوثيق ، وتقدم الكلام حول ذلك في القاعدة الأولى .  

ثانياً : قول الذهبي أنه شيعي جلد ، فقد تبين أن الراوي بهذا اللحاظ تقبل رواياته، وقد فصلنا القول في قبول رواية المبتدع .

ثالثاً: وما اتهمه به النسائي لأنه:> لم عنده بصدوق ، وهو ضعيف< ، وكذلك قول أبي زرعة:> فأمر أن يضرب على حديث أبي الصلت ، وقال : لا أحدث عنه، ولا أرضاه< فهذا جرح غير مفسر وقد تحدثنا عنه في القاعدة الثانية ،ولا عبرة به . بل العبرة بصدق الراوي وأمانته في النقل، كما تقدم في القاعدة الثالثة .

رابعاً : وما قاله الجوزجاني لا يخرج عن دائرة التحامل والتعنت، بل والنصب، فلا قيمة له، كما تقدم في القاعدة الخامسة .

خامساً : اتضح أن الذين قالوا بتضعيفه ناشئ من الخلاف العقائدي وهو نقله لفضائل أهل البيت عليهم السلام، وفي هذه الحال ينبغي التوقف في قول الجارح .

سادساً : إذا اختلف في التوثيق والتضعيف ولم يكن الجرح مفسراً فيُقدم التعديل، وقد تقدم أن جرح أبي الصلت غير مفسر ، وعليه فيقدم قول المعدل وهذا عليه أكثر المحدثين .

وبلحاظ هذه الأمور الستة مع ما تقدم من توثيقه وصدقه، نحكم بوثاقته وصدق مروياته .

      وأما قوله :

المقام الثاني: على فرض أن أبا معاوية حدث بذاك . وشريكاً حدث بهذا ، فإنما جاء ذاك ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن مجاهد .. وأبو معاوية ، والأعمش ، وشريك ، كلهم مدلسون متشيعون .

  الجواب :

أما ما ادعاه من التدليس فيرد عليها :

أولاً : أن الخطيب البغدادي قد روى ما يُفهم منه الإجابة عن هذا التساؤل بقوله :> قال القاسم : سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث[أي مدينة العلم] فقال : هو صحيح . قلت : أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية وليس بباطل ، إذ قد رواه غير واحد عنه<([62]). فهنا ركّز على تأكيد الراوي بقوله : أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية الضرير ؛ وما يؤكده أيضاً رواية غير واحد عنه أي عن أبي معاوية ؛ وفيه أشارة للمتابعات لهذا الحديث .

ثانياً : أبو معاوية هو من الطبقة التاسعة، كما صنفه ابن روى له أصحاب الصحاح الستة ، البخاري ومسلم وو..  ونقل هؤلاء الأعلام عنه يؤكد صحة رواياته وخلوها من شائبة التدليس،  فأبو معاوية ثقة كما يصرح ابن حجر > ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش<([63]). وقال الذهبي >ثبت في الأعمش <([64]). فالرجل حافظ وثبت لحديث الأعمش، فيكون مقبولاً ؛ وردّه مكابرة ، ولا يضر تصريحه بالسماع وعدمه . وما يقال في أبي معاوية يقال في  الأعمش بالنسبة للتدليس، إذا كانوا يروون عن ثقة فلا يضر تدليسهم، كما سيأتي .

    وأما قوله :

فإن قيل : إنما ذكروا في الطبقة الثانية ، من طبقات المدلسين ، وهي طبقة من ( احتمل الأئمة تدليسه ، وأخرجوا له في الصحيح )

قلت : ليس معنى هذا أن المذكورين في الطبقة الثانية تقبل عنعنتهم مطلقاً ، كمن ليس بمدلس البتة ، إنما المعنى أن الشيخين انتقيا في المتابعات ونحوها في معنعناتهم ، ما غلب على ظنهما أنه سماع.

  الجواب

ما تفضل به العلامة المعلمي مردود ؛ بثلاثة أمور:

الأول : قد صرح الأعلام بعدم ضررية التصريح بالسماع ، وإن كان مدلساً، ولكن بشرط روايته عن الثقة، وهذا ما أكده العلائي في كلامه حول طبقات المدلسين، قال :> ثانيها من احتمل الأئمة تدليسه وخرجوا له في الصحيح وان لم يصرح بالسماع ، وذلك إما لإمامته أو لقلة تدليسه في جنب ما روى، أو لأنه لا يدلس إلا عن ثقة وذلك كالزهري وسليمان الأعمش .. ففي الصحيحين وغيرهما لهؤلاء الحديث الكثير ما ليس فيه التصريح بالسماع<([65]).

وقال التهانوي :> فأما التدليس فقد ذكر جماعة من الحفاظ أن البخاري كان لا يخرج إلا ماصرح فيه بالتحديث <([66]).  

إذن فسواء صرح أو لم يصرح بالسماع ، وسواء كانت متابعات او معنعنات ، فإنها تُقبل بشكل مطلق، وهذا الذي دعى البخاري لانتقاء أحاديثهم .

الثاني:  البخاري نفسه يصرح بأن الأعمش سمع من مجاهد مباشرةً ، وهذا التصريح نعتقد أنه قد خفي عن المعلمي . وهذا ما نقله الترمذي، كما يرويه ابن عبد البر في التمهيد، قال : قال أبو عيسى قلت لمحمد بن إسماعيل البخاري لم يسمع الأعمش من مجاهد إلا أربعة

أحاديث، قال: ريح ليس بشيء، لقد عددت له أحاديث كثيرة، نحواً من ثلاثين أو أقل أو أكثر، يقول فيها حدثنا مجاهد<([67]).

الثالث : لو سلمنا بقول المعلمي، وقلنا برد عنعنة الطبقة الثانية؛ ولكن لازم ذلك خروج كثير من الأعيان الذين ذكرهم ابن حجر وغيره في هذه الطبقة والذين هم محل قبول عند كبار القوم ، والمعلمي أين يقف من هؤلاء الأعلام؟  كسفيان الثوري وابن عيينة والزهري وابن جريج وأبي داوود الطيالسي وو.. إذن نعتقد أن كلام المعلمي غير دقيق تماماً وفيه استعجال أوقعه في الإشكال .

   وأما قوله :

 وقد قرر ابن حجر في نخبته ومقدمة اللسان ، وغيرهما ، أن من نوثقه ، ونقبل خبره من المبتدعة، يختص ذلك بما لا يؤيد بدعته، فأما ما يؤيد بدعته، فلا يقبل منه البتة .

 الجواب :

الظاهر أن المعلمي يقصد بدعة أبي الصلت الهروي، وقد تقدم الكلام في القاعدة الثالثة أن الملاك والمعيار في قبول الروايات هو الصدق وعدم الكذب في نقل الرواية، وتقدم قول احمد شاكر:> >وهذه الأقوال كلها نظرية، والعبرة في الرواية بصدق الراوي، وأمانته والثقة بدينه وخلقه، والمتتبع لأحوال الرواة يرى كثيراً من أهل البدع موضعاً للثقة والاطمئنان، وإن رووا ما يوافق رأيهم<([68]).

ثم نسأل المعلمي ما هي بدعة أبي الصلت؟

 نقطع بضرس قاطع: هو ما نُقل عنه قوله : كلب للعلوية خير من بني أمية قيل له : فيهم عثمان ، قال : فيهم عثمان. ([69]).

ولكن هذا الكلام يمكن أن يجاب عنه بما يلي :

أولاً : قد تقدم من نقل الذهبي أن أبا الصلت يقدم الصحابة ويذكرهم بالجميل حسب ما نُقل عنه .

ثانياً: أنه إن صح عنه فهو مبالغة لا تدل على ضعف حديثه ، وربما استخرجها بعضهم منه في حال الجدال والمناظرة، والغضب قد يستفز المناظر لأكثر من هذا .

ثالثاً : ثم أين هو من حريز بن عثمان الذي كان يلعن علياً عليه السلام سبعين مرة في الصباح ، وسبعين مرة في المساء، وعرفوا منه هذا وتحققوه ثم قالوا عنه : أنه من أوثق الثقات ، فما أجيب به عن حريز فهو الجواب عن عبد السلام([70]).

 

   وأما قوله :

المقام الثالث : النظر في متن الخبر .كل من تأمل منطوق الخبر ، ثم عرضه على الواقع ، عرف حقيقة الحال ، والله المستعان<

    الجواب

هو النصب والعياذ بالله تعالى - وأقولها بمرارة - وقد تقدم الكلام عن علم علي ×في السنة النبوية وقد أشبعنا الكلام هناك فراجع؛ وأضيف إلى ذلك قول ابن أبي الحديد في فضل علمه عليه السلام :

 وأما الفصاحة : فهو عليه السلام إمام الفصحاء ، وسيد البلغاء ، وفي كلامه قيل : دون كلام الخالق ، وفوق كلام المخلوقين . ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة ، قال عبد الحميد بن يحيى : حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ، ففاضت ثم فاضت . وقال ابن نباتة: حفظت من الخطابة كنزاً لا يزيده الإنفاق إلا سعة وكثرة ، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب . ولما قال محفن بن أبي محفن لمعاوية : جئتك من عند أعيا الناس ، قال له : ويحك ! كيف يكون أعيا الناس ! فو الله ما سن الفصاحة لقريش غيره ، ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة ، ولا يبارى في البلاغة . وحسبك أنه لم يدون لأحد من فصحاء الصحابة العشر ، ولا نصف العشر مما دون له.([71]).

 

المبحث الثاني : طرق الحديث ومتابعاته وشواهده

وهذا البحث هو رد على ابن تيمية الذي قال:>  وحديث أنا مدينة العلم و علي بابها، أضعف وأوهى؛ ولهذا إنما يعد في الموضوعات، وإن رواه الترمذي. وذكره ابن الجوزي وبين أن سائر طرقه موضوعة<([72]).

قبل أن نلج إلى بيان طرق هذا الحديث، ننقل نصه ولفظه : عن الحاكم النيسابوري، عن ابن عباس، قال :> قال رسول الله’أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب<([73]).   أما طرقه فهي كالتالي:

1- عن علي عليه السلام  بطرق مختلفة

أ- عن عاصم بن ضمرة عن علي عليه السلام عن رسول الله ’، قال:

>.. أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها< ([74]).

 وقد علق الشيخ منصور علي ناصف في غاية المأمول في شرح تاج الأصول: > فهذه منقبة لعلي لم يشاركه فيها غيره  رضي الله عنه < ([75]).   

ب- عن حذيفة عن علي عن رسول الله ’قال:

 > أنا مدينة العلم وعلي بابها، ولا تؤتى البيوت إلا من أبوابها< ([76]).   

ج- عن الأصبغ بن نباتة عن علي × قال:>قال رسول الله : أنا مدينة الجنة وأنت بابها يا علي كذب من زعم أنه يدخلها من غير بابها < ([77]).   

2- عن ابن عباس

عن رسول الله ’ قال:> أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب <([78]).  

وقد علق المناوي في فيض القدير على هذا الحديث قائلاً:

> فإن المصطفى صلى الله عليه وسلم المدينة الجامعة لمعاني الديانات كلها أو لا بد للمدينة من باب، فأخبر أن بابها هو علي كرم الله وجهه، فمن أخذ طريقه دخل المدينة ومن أخطأه أخطأ طريق الهدى، وقد شهد له بالأعلمية الموافق والمخالف والمعادي والمحالف ، خرج الكلاباذي: أن رجلا سأل معاوية عن مسألة فقال : سل علياً هو أعلم مني فقال : أريد جوابك؟ قال : ويحك كرهت رجلاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزه بالعلم عزا، وقد كان أكابر الصحب يعترفون له بذلك، وكان عمر يسأله عما أشكل عليه ، جاءه رجل فسأله فقال : ههنا علي فاسأله فقال : أريد أسمع منك يا أمير المؤمنين قال : أقام الله رجليك ومحى اسمه من الديوان<([79]).   

3- عن سعيد بن جبير

عن رسول الله ’قال:> يا علي أنا مدينة العلم وأنت بابها، ولن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب<([80]).   

4- جابر بن عبد الله

>قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وهو آخذ بيد علي يقول: هذا أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره. مخذول من خذله، ثم مد بها صوته فقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأت الباب<([81]).   

المتابعات والشواهد

واكتفي بذكر الأحاديث التي حملت نفس مضمون الحديث المتقدم التي دلت على هذه الحقيقة التي لا مناص ولا فرار منها ، ولا يمكن إنكارها أو الالتفاف عليها، وهي كالتالي:

1 - أنا دار الحكمة وعلي بابها .

2 - أنا دار العلم وعلي بابها.

3 - أنا ميزان العلم وعلي كفتاه.

4 - أنا ميزان الحكمة وعلي لسانه .

5 - أنا المدينة وأنت الباب، ولا يؤتى المدينة إلا من بابها.

6 - علي أخي ومني وأنا من علي فهو باب علمي ووصيي.

7- علي باب علمي ومبين لأمتي ما أرسلت به من بعدي .

8 - أنت باب علمي.

9- ما روته أم سلمه بألفاظ متعددة عن رسول الله ’ :يا أم سلمة اشهدي واسمعي هذا علي أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، و عيبة علمي وبابي الذي أوتى منه ([82]).  

وغيرها من الأحاديث في هذا المضمون .

 

المبحث الثالث  : تصحيح كبار علماء  الحديث لحديث ( أنا مدينة العلم ..)

واذكر أقوال بعض الحفاظ الكبار الذين لهم اليد الطولى في علم الجرح والتعديل، ولهم من الاستقراء في نقد الرجال، وأقوالهم تعد حجة ولا يمكن تجاوزها بحال، مع ذكرنا لتراجمهم، التي تشرح وثاقتهم وما هم عليه من العلم بمعرفة الحديث سنداً ومتناً .

1- يحيى بن معين :    

روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، بسنده :

قال:> ..حدثنا أبو الصلت الهروي ، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأت بابه.

 قال القاسم : سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث فقال : هو صحيح <([83]).  

فالحديث عند يحيى بن معين صحيح ولا غبار عليه.

ترجمة يحيى بن معين:

هو  يحيى بن معين بن عون ، أبو زكريا البغدادي الحافظ ، مولى غطفان من كبار الآخذين عن تبع الأتباع  .

روى له : البخاري - مسلم - أبو داود - الترمذي - النسائي - ابن ماجه .

قال أحمد : كان ابن معين أعلمنا بالرجال، وحكى ابن المدني عن أبي سعيد الحداد يقول : الناس كلهم عيال على يحيى بن معين .

وقال الخطيب : كان إماما ربانيا عالما حافظا ثبتا متقنا . وقال العجلي : ما خلق الله تعالى أحدا كان أعرف بالحديث من يحيى بن معين . وقال أحمد بن حنبل : كل حديث لا يعرفه ابن معين فليس هو بحديث وفى رواية فليس هو ثابتا .

وقال علي بن أحمد بن النضر عن بن المديني انتهى العلم إلى يحيى بن آدم وبعده إلى يحيى بن معين، وفي رواية عنه انتهى العلم إلى بن المبارك وبعده إلى بن معين.

 وقال صالح جزرة سمعت بن المديني يقول انتهى العلم إلى بن معين وقال أبو زرعة الرازي وغيره عن علي دار حديث الثقات على ستة ثم قال ما شذ عن هؤلاء يصير إلى اثني عشر ثم صار حديث هؤلاء كلهم إلى بن معين.

و قال أبو الحسن ابن البراء : سمعت علياً يقول : لا نعلم أحدا من لدن آدم كتب من الحديث ما كتب يحيى بن معين([84]).  

إذن بعد هذه الترجمة المختصرة لعَلم من أعلام الجرح والتعديل والذي شهد بصحة هذا الحديث فلا نستطيع إلا أن نذعن بما قال.

2- الحاكم النيسابوري ( رواه بعدة أسانيد وصححه)

روى هذا الحديث في المستدرك على الصحيحين بثلاثة أسانيد، وصححه:

السند الأول :

قال:> حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الرحيم الهروي بالرملة ثنا أبو الصلت عبد السلام بن صالح ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ’ أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب<

ثم علق عليه قائلاً:>  هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو الصلت ثقة مأمون فإني سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب في التاريخ يقول سمعت العباس بن محمد الدوري يقول سألت يحيى بن معين عن أبي الصلت الهروي فقال ثقة . فقلت أليس قد حدث عن أبي معاوية عن الأعمش أنا مدينة العلم، فقال قد حدث به محمد بن جعفر الفيدي وهو ثقة مأمون.

 سمعت أبا نصر أحمد بن سهل الفقيه القباني إمام عصره ببخارى يقول سمعت صالح بن محمد بن حبيب الحافظ يقول وسئل عن أبي الصلت الهروي فقال دخل يحيى بن معين ونحن معه على أبي الصلت فسلم عليه، فلما خرج تبعته فقلت له ما تقول رحمك الله في أبي الصلت؟ فقال هو صدوق. فقلت له إنه يروي حديث الأعمش عن مجاهد عن بن عباس عن النبي ’أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأتها من بابها .

فقال قد روى هذا ذاك الفيدي عن أبي معاوية عن الأعمش كما رواه أبو الصلت<([85]).  

السند الثاني:

قال:> حدثنا بصحة ما ذكره الإمام أبو زكريا ثنا يحيى بن معين ثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم القنطري ثنا الحسين بن فهم ثنا محمد بن يحيى بن الضريس ثنا محمد بن جعفر الفيدي ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن بن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله ’ أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب

 قال الحسين بن فهم حدثناه أبو الصلت الهروي عن أبي معاوية قال الحاكم ليعلم المستفيد لهذا العلم أن الحسين بن فهم بن عبد الرحمن ثقة مأمون حافظ ولهذا الحديث شاهد من حديث سفيان الثوري بإسناد صحيح <([86]).  

السند الثالث:

قال:> حدثني أبو بكر محمد بن علي الفقيه الإمام الشاشي القفال ببخارى وأنا سألته حدثني النعمان بن الهارون البلدي ببلد من أصل كتابه ثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد الحراني ثنا عبد الرزاق ثنا سفيان الثوري عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال سمعت جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله ’يقول أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب <([87]).   فالحديث عند الحاكم صحيح وعلى شرط الشيخين .

ترجمة الحاكم النيسابوري

وثقه الذهبي بألفاظ قل نظيرها نذكر بعض من كلماته :

 > الحافظ الكبير إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع صاحب التصانيف ، ..جال في خراسان وما وراء النهر وسمع بالبلاد من ألفي شيخ أو نحو ذلك ..، ناظر الدار قطني فرضيه وهو ثقة واسع العلم بلغت تصانيفه قريبا من خمس مائة جزء .

قال الخطيب أبو بكر : أبو عبد الله الحاكم كان ثقة ،  يميل إلى التشيع فحدثني إبراهيم بن محمد الأرموي وكان صالحا عالماً.

قال عبد الغافر بن إسماعيل : أبو عبد الله الحاكم هو إمام أهل الحديث في عصره العارف به حق معرفته ...واتفق له من التصانيف ما لعله يبلغ قريبا من ألف جزء من تخريج الصحيحين ،والعلل ، والتراجم ، والأبواب ، والشيوخ ، ثم المجموعات مثل معرفة علوم الحديث ومستدرك الصحيحين ..، ولقد سمعت مشايخنا يذكرون أيامه ويحكون أن مقدمي عصره مثل الصعلوكي والإمام ابن فورك وسائر الأئمة يقدمونه على أنفسهم ويراعون حق فضله ويعرفون له الحرمة الأكيدة - ثم أطنب في تعظيمه وقال : هذه جمل يسيرة وهو غيض من فيض سيره وأحواله ، ومن تأمل كلامه في تصانيفه وتصرفه في أماليه، ونظره في طرق الحديث. أذعن بفضله واعترف له بالمزية على من تقدمه واتعابه من بعده وتعجيزه اللاحقين عن بلوغ شأوه ، عاش حميداً ولم يخلف في وقته مثله.

قال أبو عبد الرحمن السلمي سألت الدار قطني : أيهما أفضل ؟ ابن منده أو ابن البيع ؟ فقال  ابن البيع أتقن حفظا<([88]).  

نستنتج من كلمات الذهبي وهو الرجل الخبير في تقييم الرجال أن الحاكم هو إمام المحدثين والعارف به حق معرفته وان سائر الائمة يقدمونه على أنفسهم؛ حرمة لعلمه وإذعاناً لفضله لاسيما في ميدان الحديث وطرقه . والحاكم قد صحح هذا الحديث فقوله يكون حجة بهذا اللحاظ .

  3- محمد بن جرير الطبري

في كتابه تهذيب الآثار قال:

>حدثني إسماعيل بن موسى السدي قال أخبرنا محمد بن عمر الرومي عن شريك عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن الصنابحي عن علي: أن النبي ’قال أنا دار الحكمة وعلي بابها< ثم علق عليه قائلاً:  >هذا خبر صحيح سنده< ([89]).  وهذا الخبر وان اختلفت بعض مفرداته ولكن هذا لا يضر؛ لان كلامنا هو أن علياً باب علم رسول الله ’ والحديث مفاده ومؤداه ذلك .     

ترجمته  ابن جرير الطبري:

ترجم له الخطيب البغدادي والذهبي، والكلام للثاني، قال:> محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الامام العلم الفرد الحافظ أبو جعفر الطبري أحد الأعلام وصاحب التصانيف من أهل آمل طبرستان، قال الخطيب كان ابن جرير أحد الأئمة يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله.

 جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره فكان حافظاً لكتاب الله بصيراً بالمعاني فقيهاً في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها صحيحها وسقيمها ناسخها ومنسوخها...< ([90]).    

من خلال هذه الترجمة والتي صرّح بها الذهبي وكذلك الخطيب البغدادي: فان لابن جرير خبرة وعلم بالسنن وطرقها صحيحها وسقيمها ، وهو العَلم الفرد الحافظ. والرجل صرّح بصحة هذا الحديث، فيلزم من ذلك التصديق بأقواله وهي حجة بلا نزاع.

4- الحافظ أبو سعيد العلائي :

قال مستنكراً على من ضعّف هذا الحديث :

> وأي استحالة في أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا في‌حق علي كرم الله وجهه، ولم يأت كل من تكلم في هذا الحديث وجزم وضعه بجواب عن هذه الروايات الصحيحة عن ابن معين ، ومع ذلك فله شاهد< ([91]).   

وقال أيضاً :>من حكم بوضعه فقد أخطأ ، والصواب انه حسن باعتبار طرقه لا صحيح ولا ضعيف فضلا عن أن يكون موضوعاً وليس هو من الألفاظ المنكرة التي تأباها العقول< ([92]).

ترجمة العلائي الشافعي :

 قال السيوطي : >هو الشيخ الامام العلامة الحافظ الفقيه ذو الفنون صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كليدي الشافعي . عالم بيت المقدس وبرع في الفنون وكان إماما محدثا حافظا متقنا جليلا فقيها أصوليا نحويا . وقال الذهبي : حافظ يستحضر الرجال والعلل وتقدم في هذا الشأن مع صحة الذهن وسرعة الفهم .

 وقال الأسنوي : كان حافظ زمانه، إماما في الفقه وغيره ذكيا نظارا . وقال الحسيني : كان اماما في الفقه والأصول والنحو ، متفننا في علوم الحديث وفنونه ، علامة فيه ، عارفا في الرجال ، علامة في المتون والأسانيد ولم يخلف بعده مثله <([93]).  

5- جلال الدين السيوطي:

قال المتقي الهندي نقلا عن السيوطي بعد أن كان الأخير يذهب إلى مقالة ابن حجر العسقلاني وان الحديث من قسم الحسن، قال: 

>وقد كنت أجيب بهذا الجواب[ أي انه من قسم الحسن]  كنت أجيب بهذا الجواب دهرا إلى أن وقفت على تصحيح ابن جرير لحديث علي في تهذيب الآثار مع تصحيح لحديث ابن عباس فاستخرت الله وجزمت بارتقاء الحديث من مرتبة الحسن إلى مرتبة الصحة والله أعلم<([94]).   

6- أبو الفيض الغماري

قال في كتابه المداوي :

> بل الحديث صحيح لا شك في صحته ، بل هو أصح من كثير من الأحاديث التي حكموا بصحتها ، كما ذلك في جزء مفرد سميته، فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي<([95]).  وقد أجاد في هذا الكتاب ( فتح الملك العلي) وردَّ كل الأقوال التي قالت بتضعيف هذا الحديث، ووثق أبا الصلت الهروي بأسلوب قل نظيره، وذكر المتابعات والشواهد لهذا الحديث، ثم حكم بصحته . وننصح كل باحث منصف بمراجعة هذا الكتاب ففيه الغاية والمطلوب .

نتيجة البحث

من خلال هذا العرض الذي ذكرنا فيه تمهيداً لعلم علي × وغزارته في السنة النبوية والتي قد تصل إلى التواتر الإجمالي ، ومن خلال طرقنا لمجموعة من الروايات وأقوال علماء أهل السنة كأحمد بن حنبل الذي يرى أنه لا توجد للصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح مثل ما لعلي × .

  ومن ثم تطرقنا لمناقشة العلامة المعلمي في مدعياته في تضعيف هذا الحديث، وقد أسسنا قواعد أبطلنا من خلالها هذه الطروحات التي تخلو من المصداقية .

ثم ذكرنا طرق هذا الحديث ومتابعاته وشواهده، كرد على ابن تيمية الذي قال بضعف هذه الطرق معتمداً على ابن الجوزي الذي أدرجه في كتابه الموضوعات.

وعلى إثر ما قدمناه من تلك الطرق التي شَهِد واعترف بها جملة من كبار أساطين علماء الجرح والتعديل بصحته، لاسيما يحيى بن معين والحاكم النيسابوري وابن جرير الطبري والعلائي والسيوطي وأبي الفيض الغماري، وكذلك عدّه بعضهم من قسم الحسن كابن حجر العسقلاني والشوكاني والملا علي القاري وغيرهم..

وأيضاً قَرنا ذلك بترجمة لهؤلاء العلماء وأنهم من الوثاقة والجلالة والعلم بطرق الأحاديث وأسانيدها ما لم يبلغه غيرهم بشهادة الذهبي وابن حجر .

إذن بعد هذه التصريحات بصحته، فالحديث في غاية الاعتبار ولا عبرة بتضعيف ابن الجوزي وابن تيمية والمعلمي ومن نسج على منوالهم .

                                                                                والحمد لله رب العالمين

فهرست المصادر

1.      ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة.

2.      ابن أبي شيبة، المصنف.

3.      ابن الأثير، أسد الغابة.

4.      ابن الجوزي الحنبلي، مناقب الإمام أحمد بن حنبل.

5.      ابن الدمشقي، جواهر المطالب.

6.      ابن تيمية الحراني، منهاج السنة .

7.      ابن حجر العسقلاني: القول المسدد في مسند أحمد .

8.      ابن حجر العسقلاني، الدرر الكامنة.

9.      ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب.

10. ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان.

11. ابن حجر الهيتمي  الصواعق المحرقة .

12. ابن سعد ، الطبقات الكبرى.

13. ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب.

14. ابن عبد البر، التمهيد .

15. ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق.

16. أبو الفيض الغمار،: المداوي.

17. أبو الفيض الغماري، فتح الملك العلي .

18. أبو المحاسن يوسف بن تغري بردى الأتابكي، النجوم الزاهرة.

19. أبو نعيم الاصبهاني ،حلية الأولياء .

20. أبو نعيم الاصبهاني، منقبة المطهرين أهل بيت محمد سيد الأولين والآخرين- مخطوط.

21. احمد شاكر، الباعث الحثيث .

22. التهانوي ، قواعد في علوم الحديث.

23. جعفر كاشف الغطاء، كشف الغطاء.

24. الحاكم الحسكاني، شواهد التنزيل .

25. الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين .

26. حسن بن فرحان المالكي ؛ قراءة في كتب العقائد .

27. الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد.

28. الخوارزمي ، المناقب .

29. الذهبي، تذكرة الحفاظ.

30. الزركلي ، الأعلام .

31. سبط ابن العجمي؛ التبيين لأسماء المدلسين .

32. السبكي تاج الدين، طبقات الشافعية الكبرى.

33. السبكي، طبقات الشافعية.

34. السخاوي ؛فتح المغيث .

35. السيوطي،  اللالئ المصنوعة.

36. السيوطي، الإتقان في علوم القران.

37. السيوطي، الدر المنثور.

38. القندوزي الحنفي، ينابيع المودة .

39. الكنجي الشافعي ، كفاية الطالب .

40. اللكنوي ، الرفع والتكميل .

41. المتقي الهندي، كنز العمال .

42. محسن الأمين؛ أعيان الشيعة .

43. محمد بن جرير الطبري، تهذيب الآثار، محمود محمد شاكر.

44. محمد بن عقيل العلوي؛ العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل .

45. المزي ، تهذيب الكمال .

46. المزي، تهذيب الكمال.

47. المعلمي ؛ الفوائد المجموعة

48. المناوي، فيض القدير.

49. منصور علي ناصف،غاية المأمول في شرح التاج الجامع للأصول.

 


([1]) الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين، ج3 ص107

([2]) ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب ج3 ص1115.

([3]) ابن الجوزي الحنبلي، مناقب الإمام أحمد بن حنبل، ص 220.

([4]) ابن أبي شيبة، المصنف: ج7 ص 495.

([5]) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج42 ص 386.

([6]) المصدر نفسه: ج42 ص 171.

([7]) ابن الدمشقي، جواهر المطالب:ج 1 ص297.

([8]) تهذيب التهذيب ابن حجر ج7 ص297  , الاستيعاب؛ ابن عبد البر في ج3 ص1107 ؛ الإتقان في علوم القران؛ السيوطي ج2 ص493 ؛ تهذيب الكمال؛ المزي ج20 ص 487 .

(2) ابن سعد في الطبقات الكبرى  ج 2 ص 338  ، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ج 1 ص 33  ، وأبو نعيم في حلية الأولياء ج 1 ص 68  ، والخوارزمي في المناقب  ص 46 والكنجي الشافعي في كفاية الطالب ص 208  ، وفي الصواعق المحرقة لابن حجر الهيتمي  ص 86  .

(3) حلية الأولياء، أبو نعيم الاصبهاني ج 1 ص 65.

(4) ينابيع المودة , القندوزي ص80 .

(5) تاريخ دمشق, ابن عساكر ج42 ص 398 .

([13]) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج42 ص 387.

([14]) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة :ج 9 ص169.

([15]) ابن سعد، الطبقات الكبرى:ج2 ص340.

([16]) السيوطي، الدر المنثور:ج3 ص144.

([17]) ابن عبد البر، الاستيعاب: ج3 ص 1103.

([18]) ابن الأثير، أسد الغابة:ج 4 ص23.

([19]) انظر:جعفر كاشف الغطاء، كشف الغطاء، ج1 ص 14 .

([20]) ابن تيمية الحراني، منهاج السنة : ج7 ص 515 .

([21]) هو عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد المعلمي العتمي ( 1313 هـ - 1386 هـ)  : فقيه من العلماء . نسبته إلى ( بني المعلم ) من بلاد عتمة ، باليمن . ولد ونشأ في عتمة ، وتردد إلى بلاد الحجرية ( وراء تعز ) وتعلم بها . تولى رئاسة القضاة ولقب بشيخ الإسلام...عاد إلى مكة ( 1371 ) فعين أمينا لمكتبة الحرم المكي ( 1372 ) إلى أن شوهد فيها منكباً على بعض الكتب وقد فارق الحياة . وقيل : بل توفي على سريره . ودفن بمكة . له تصانيف منها (طليعة التنكيل - ط ) وهو مقدمة كتابه (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل ) في مجلدين و ( الأنوار الكاشفة) في الرد على كتاب ( أضواء على السنة ) لمحمود أبي رية ، و ( محاضرة في كتب الرجال ) < وغير ذلك. انظر : الزركلي ؛ الأعلام :ج 3 ص 342. 

([22]) المعلمي ؛ الفوائد المجموعة ؛ ص 352 .

([23]) هو حديث ( سد الأبواب إلا باب علي عليه السلام) وهذا الحديث ضعّفه جملة من علماء أهل السنة؛ ولكن تأبى بعض الأقلام والعقول إلا أن تنطق بالحق، وابن حجر انطلق من قاعدة: أن كثرة الطرق والمتابعات تقوي الحديث وترتقي به إلى الحسن والاعتبار .

([24]) ابن حجر العسقلاني ؛ القول المسدد في الذب عن أحمد ؛ ص 26 -27.

([25]) أجوبة ابن حجر عن أحاديث المصابيح ، المطبوع ضمن كتاب مشكاة المصابيح: ج2 ص 555 .

([26]) ابن تيمية؛ مجموع الفتاوى؛ ج 20 ص 239 - 240 .

([27]) اللكنوي الرفع والتكميل : ص66 .

([28]) الذهبي؛ سير أعلام النبلاء ؛ ج11 ص 447 .

([29]) المصدر نفسه ؛ ج11 ص 447 .

([30]) ابن حجر العسقلاني؛تقريب التهذيب ؛ ج 1 ص600 .

([31]) المزي ؛ تهذيب الكمال :ج 18 ص 80- 81 .

([32]) الذهبي؛ سير أعلام النبلاء؛ ج11 ص 446.

([33]) التهانوي؛ قواعد في علوم الحديث؛ ص 49 .

([34]) المصدر نفسه؛ ص 52 .

([35]) فتح الملك العلي؛ ص 147 .

([36]) الذهبي؛ الميزان ؛ ج2 ص 616 .

([37]) الذهبي؛ الميزان ؛ ج1 ص 5 .

([38]) المصدر نفسه ؛ ج1 ص 6 .

([39]) الذهبي؛ سير أعلام النبلاء ؛ ج11 ص 447 .

([40]) المصدر نفسه؛ ج11 ص 446.

([41]) الذهبي؛ سير أعلام النبلاء ؛ ج11 ص 447 .

([42]) محمد بن عقيل العلوي؛ العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل؛ ص 101 .

([43]) محسن الأمين؛ أعيان الشيعة ؛ ج2 ص 98 .

([44]) المزي ، تهذيب الكمال ؛ ج18ص 78 .

 

([45]) الباعث الحثيث ؛ ص 102 .

([46]) أحمد بن الصديق الغماري ؛ فتح الملك العلي؛ ص 83 .

([47]) أحمد بن الصديق الغماري ؛ فتح الملك العلي؛ ص 104- 105؛ ابن حجر العسقلاني ، ج2 ص 29 .

([48]) المصدر نفسه : ص 105 .

([49]) ابن حجر العسقلاني؛ لسان الميزان؛ ج 1، ص 16.

([50]) السبكي تاج الدين، طبقات الشافعية الكبرى، ج2، ص12.    

([51]) حسن بن فرحان المالكي ؛ قراءة في كتب العقائد ؛ ص 132 .

([52]) السخاوي ؛فتح المغيث ؛ ج3 ص 358 .    

([53]) الغماري ؛ فتح الملك العلي؛ ص128 .     

([54]) الخطيب البغدادي؛ تاريخ بغداد ؛ ج11 ص 51 .    

([55]) ابن حجر ؛ تهذيب التهذيب ؛ ج1 ص 118 .    

([56]) ابن حجر ؛ لسان الميزان ؛ ج1 ص 16 .    

([57]) التهانوي ، قواعد في علوم الحديث ، ص 347 .

([58]) الزيلعي: نصب الراية، ج1 ص 71.

([59]) المصدر نفسه، ج6 ص 458.

([60]) ابن حجر العسقلاني: القول المسدد في مسند أحمد,  ص50.

([61]) ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب، ج5 ص229.

([62]) الخطيب البغدادي؛ تاريخ بغداد ؛ ج 11 ص51 .

([63]) ابن حجر العسقلاني: تقريب التهذيب؛ ج2 ص70 .

([64]) الذهبي ؛ الكاشف؛ ج2 ص 167 .

([65]) سبط ابن العجمي؛ التبيين لأسماء المدلسين ؛ ص 65 .

([66]) التهانوي؛ قواعد في علوم الحديث ؛ ص 413 .

([67]) ابن عبد البر ؛ التمهيد ؛ ج1 ص35 .

([68]) الباعث الحثيث ؛ ص 102 .

([69]) الذهبي ؛ ميزان الاعتدال ؛ ج2ص616 .

([70]) انظر؛ الغماري ؛ فتح الملك العلي ؛ ص 153 .

([71]) ابن أبي الحديد؛شرح نهج البلاغة : ج1 ص 24 .

([72]) ابن تيمية الحراني، منهاج السنة : ج7 ص 515 .

([73]) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين :ج 3 ص 137.

([74]) ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان: ج6 ص243.

([75]) منصور علي ناصف،غاية المأمول في شرح التاج الجامع للأصول: ج 3 ص 337 .

([76]) ابن المغازلي، نقلا عن القندوزي الحنفي، ينابيع المودة : ج1 ص220.

([77]) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: ج 42ص 378.

([78]) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين :ج 3 ص 137.

([79]) المناوي، فيض القدير: ج 3 ص61.

([80]) القندوزي الحنفي، ينابيع المودة: ج1 ص 95.

([81]) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج3 ص181. المتقي الهندي، كنز العمال :ج 11ص 602.

([82]) رواه أبو نعيم الاصبهاني، في منقبة المطهرين أهل بيت محمد سيد الأولين والآخرين- مخطوط.

([83]) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد: ج11 ص50.

([84]) ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب:ج 11 ص 248.

([85]) المستدرك على الصحيحين : ج 3 ص 137

([86]) المصدر نفسه : ج 3 ص 137

([87]) المصدر نفسه : ج 3 ص138.

([88]) الذهبي، تذكرة الحفاظ : ج 3 ص 1093- 109.

([89]) محمد بن جرير الطبري، تهذيب الآثار: ج3 ص 104، دار النشر : مطبعة المدني - القاهرة ، تحقيق : محمود محمد شاكر.

([90])انظر: الذهبي ، تذكرة الحفاظ: ج2 ص 710- 711. الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد:ج 2 ص163.

([91]) نقلاً عن اللالئ المصنوعة :ج1 ص 329.

([92]) انظر: فيض القدير ، المناوي :ج 3 ص 61 .

([93]) انظر: ابن حجر العسقلاني، الدرر الكامنة ج 2 ص179، وأبو المحاسن يوسف بن تغري بردى الأتابكي، النجوم الزاهرة: ج10 ص 337 والسبكي، طبقات الشافعية: ج2 ص 104.

([94]) المتقي الهندي، كنز العمال:ج 13 ص 149.

([95]) أبو الفيض الغماري: المداوي:ج 3 ص70 ح / 2705

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث