خلاصة الأطروحة

تناول موضوع رسالتنا الموسومة بـ (انعكاس نظرية التصنيف في الجرح والتعديل على التراث الحديثي...) مفردة في غاية الأهمية، وهو ما نُظّر له لتقسيم وتصنيف علماء الجرح والتعديل في المدرسة السّنية، إلى التشدد والتساهل والاعتدال، وكيف انعكس هذا التقسيم الثلاثي على التراث الحديثي بشكل عام -والكلام في المجال التطبيقي العملي-لا سيما في الأحاديث المروّية في فضائل أهل بيت العصمة والطهارة، فتم تقسيم البحث إلى مقدمة وخمسة فصول:

أما المقدمة: فجاءت لبيان تفصيلات الأطروحة، كالسؤال الأصلي لهذه الرسالة وفرضيات البحث وضرورته وأهميته ومنهج البحث وو...

والفصل الأول: كُليات البحث؛ تناولنا فيه مجموعة من الأبحاث الكلّية المرتبطة بهذه الأطروحة، واحتوى على مباحث مهمة، نذكر منها على سبيل المثال: الجرح والتعديل في اللغة والاصطلاح، وتأريخ الجرح والتعديل ونشأته، والإسناد في اللغة والاصطلاح وأهميته، لا سيما ما مرّ به من أطوار كانقطاع الحديث وعدم تدوينه، وآداب وشروط الجارح والمعدّل، والمتكلمون في الرجال ومراتب الجرح والتعديل وغير ذلك.

والفصل الثاني: الجذور التأريخية لتطور نظرية التصنيف؛ وتناولنا فيه ستة مباحث: مفهوم التشدد والتساهل والاعتدال في اللغة والاصطلاح، والجذور التأريخية لورود هذه المصطلحات عند علماء هذا الفن من المتقدمين والمتأخرين، وسلطنا الضوء على المؤصل والمقعّد لهذه النظرية، وبيان طبقات النّقاد ومن صنّفهم بهذه القسمة الثلاثية، وكلمات علماء الجرح والتعديل فيهم، وضوابط ومعايير هذه النظرية.

والفصل الثالث: الأسباب والمناشئ لبروز هذه النظرية؛ وقد احتوى على ثلاثة مباحث أساسية: بيان الأسباب العامة، والأسباب الخاصة، ودراسة ووقفات لنماذج من المحدثين الّذين نُسبَ لهم التساهل كالحافظ الترمذي والنسائي والدار قطني والحاكم النيسابوري وغيرهم.

والفصل الرابع: دراسة نقدية لصاحب النظرية؛ واشتمل على مبحثين: دراسة نقدية على المستوى النظري، ودراسة نقدية على المستوى العملي.

والفصل الخامس: جاء كدراسة تطبيقية لانعكاس وأثر هذه النظرية على التراث الحديثي بشكل عام وعلى الأحاديث الواردة في فضائل أهل البيت عليهم السلام بشكل خاص والتي جاءت ضمن سياق التراث السّني.

 

التوصيات

من خلال مطالعتي واستقرائي لهذا الموضوع المهم والجوهري لارتباطه بمناهج المحدثين، أحب أن اُشير إلى بعض الوصايا؛ لعلها تثري هذا البحث وتُكمل ما بدأنا به.

1- إن مسألة التساهل والتشدد لعلماء الجرح والتعديل مرتبطة بمناهج المحدثين لا سيما التراث السّني، وللأسف لم يتم استقراؤها وفحصها في تراثنا الحديثي الشيعي، فلو ركّزنا في بحوثنا على تلك المناهج لا سيما منهج الحاكم النيسابوري وعبد الرزاق الصنعاني، وغيرهم من المعاصرين أيضاً كالعلامة الغماري، فيمكن لنا أن نجد كمّاً كبيراً من التراث الحديثي السّني يتلاقى ويتحد مع تراثنا، لا سيما في نقل فضائل العترة الطاهرة.

2- حبذا لو يُسلط الضوء على مسألة مهمة في علم الجرح والتعديل، وهي مسألة الأصول والقواعد التي يتبناها بعض المحدثين ويؤصلون لها، مثلاً ابن حبان: فهو يرى مسألة أصالة عدالة الإنسان المسلم، وبذلك وثق الراوي المجهول؛ فاتهم بالتساهل لهذا المبنى وهذا الأصل، ولعل هذا البحث يلتقي نوعاً ما مع قاعدة المشايخ الثلاثة ـ المعروفة في علم الرجال الشيعي ـ الذين لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة، فالمجهول أيضاً ترتفع جهالته بلحاظ وثاقة الناقلين عنهم، فلو بُحث هذا الموضوع بشكل مقارن بين المدرستين؛ لأمكن أن نخرج بثمرات مهمة في علم الجرح والتعديل.

3ـ إنّ هذه النظرية وهذا التقسيم موجود في تراثنا الشيعي أيضاً، وعلى سبيل المثال: فقد اُتهم ابن الغضائري بالتشدّد وأنّه جرّاح، فهل تصدق هذه النسبة على هذا العالم مقارنةً بنظرائه من أهل السنّة كابن القطان أو يحيى ابن معين؟ ثم يمكن أن يُعمل بحث نظري وعملي حولهما، وما هي أوجه الالتقاء والاختلاف... كبحث مقارن.

4- إنّ فترة انقطاع الحديث وعدم تدوينه، وتداعياته على التراث السنّي يُعتبر مادةً حيوية، يمكن للباحث أن يستخرج منها بعض البحوث المهمة لا سيما في مباحث السند والمتن، وبتعبير العلاّمة الشيخ هادي معرفة: كيف نجمع ونوفق بين منع تدوين الحديث مائة سنة وبين هذه المادة الغزيرة التي نجدها في تراث أهل السّنة؟ إلا أن نقول أن هناك أصالةً لمتن الرواية الذي يحمل مضموناً شيعياً ـ لأن ّ أغلب فقهاء ومحدثي أهل السنة كانوا يدرسون عند أئمة الشيعة كالإمام الباقر والصادق ـ وبين سنداً قد نشك فيه([1]). وهذا ما استدعى أن تُؤسس قواعد لحل إشكالية السند، وهذا ما أشرنا إليه من كثرة التوثيقات والتضعيفات للرواة.

 فيمكن للباحث أن يكتب بحثاً علمياً استقرائياً يجمع فيه نصوص الروايات المتوافقة والمخالفة بين الفريقين ويُعالج إشكالية السند. وفي نفس الوقت يضع يده على آثار منع التدوين الحديث وانعكاساته على الحديث برمته.

5- الحافظ الذهبي يعتبر اليوم من الأعلام الذين لهم السطوة في علم الجرح والتعديل، وآراؤه تعتبر مقبولة عند الفكر السلفي؛ ولكن اتضح من خلال أطروحتنا أنه من المتشددين والمتعنتين، وقد نقده كبار العلماء لهذا الغرض، فيمكن للباحث أن يكتب بحثاً حول (منهج الحافظ الذهبي مع رواة الشيعة) أو (مفهوم البدعة عند الإمام الذهبي بين النظرية والتطبيق).

6- وأخيراً لا أغالي إذا قلت: إن هذه النظرية لها من الأهمية بمكان بحيث يجب أن تُولى بمزيد من البحوث والمؤتمرات العلمية وبذل الجهود في سبيل تشخيص مواطن الخلل ومواطن القوة فيها، وكيف يمكن أن نبلور ما نجده من تراث حديثي يؤكد لنا صدق ما تدعيه علماء الشيعة بأحقية أهل البيت عليهم السلام ومرجعيتهم العلمية والعملية، من خلال النصوص الصحيحة التي تشهد على فضلهم وعصمتهم وإمامتهم ...إلخ.

وأخيراً: أسال الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لما فيه الخير والصواب فيما كتبناه، وأن يُجنبنا الخطأ والزلل، وإن فُرض، فلا يبخل علينا القارئ الكريم بالإرشاد والنصيحة فالعصمة لأهلها.

 وندعوه تعالى أن يكون ما سطرناه في هذه الأطروحة في ميزان حسناتنا، إنه نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

 

 


([1]) مجلة الحياة الطيبة، ص 94، ندوة حوارية بعنوان؛ مرتكَزات الاجتهاد المعاصر ومبانيه.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث